عندما يتوجَّهون بالنصيحة الى الدولة وكبار المسؤولين، والقول إن قطار البلديّات والمختارين قد اجتاز نقطة الخطر، فإنما يكون القصد لفت النظر الكريم الى ان الأزمات والملمات تحيط بلبنان من أربع رياح الأرض.
ومن الأوْلى والأجدى الالتفات صوب ما يحصل ويجري في المنطقة، وعن كثب، لان حليمة ما زالت على عادتها القديمة. وما زالت تحبل في آخر الدنيا وتلد في حضن الربوع الغنّاء.
الاستحقاق البلدي والاختياري نال قسطه من العلى والاهتمام والعناية الفائقة، ولم يبق من العمر أكثر ما مضى.
أما طواحين المنطقة، وسيوفها التي تفرقع في كل اتجاه، فأنها لا تتردّد في مكاشفة اللبنانيين ومصارحتهم بعدم "الاستلشاق" بالاجتماعات والقمم واللقاءات الرئاسيَّة في أكثر من عاصمة اقليميَّة وعربيَّة.
مما جعل رئيس الروسيا العظمى يهرع ملهوفاً الى اسطنبول، ليدلي بدلوه وبموقف موسكو في بئر أزمات المنطقة التي لا تُحصى ولا تُعد، ولا تحصر بمأزق التسوية الشاملة المعلق في الهواء، ولا بمصنع المفرقعات النوويَّة التي تصرُّ طهران على الحصول عليها مهما كلَّف الأمر. وحتى لو وقفت مياه أميركا عموداً.
اما "حل الدولتين" الذي تمضي اسرائيل قدماً في تهشيمه وتدميره عَبْر الاستيطان وسرقة ما تبقى من الاراضي القدسية، فإنَّ العرب يقفون منه مكتوفين، مزمومي الشفاه، مقطّبي الجباه وعاقدي الحواجب.
لا أكثر ولا أقل.
مع تصريح من هنا "يتهم" أميركا بالانحياز الى اسرائيل وكأن بعضهم يكتشف البارود للمرة الاولى. ولقاء رئاسي من هناك تنتهي مناقشاته بالاعتقاد ان بقاء القضية الفلسطينية على ما هي عليه، وبلا حلول عادلة، ومن دون دولة لأهل فلسطين الاصليين من شأنه ابقاء المنطقة والعالم فوق فوهة بركان.
واللبنانيون أطول باعاً، وأكثر خبرة ودراية بالموضوع الفلسطيني – الاسرائيلي، كونهم دفعوا من اللحم الحي كلفة ثلاثة اجتياحات، وأربع حروب، وأربعة عقود من الفوضى والتسيُّب والتشتُّت والدمار.
فلا واشنطن تملك حلولاً سحريَّة. ولا روسيا تحتفظ بمفاتيح الأزمات. ولا اوروبا تدعي انها تملك خاتم سليمان.
لكنَّ التركيز الدولي في هذه المرحلة على البقعة البركانية التي ينضمّ اليها لبنان جغرافيّا و"انتساباً"، من شأنه أن يُفهم المسؤولين اللبنانيين قبل سواهم ان على الكتف حَمالاً، وان في أفق الوطن الصغير ما هو أبدى وأهم… من الموقعة التي يدعو اليها في البترون هنيبعل الكهرباء الدائمة الانقطاع على رغم استمرار التوتّر عالياً.
قد يسأل سائل: وماذا في يد لبنان، وماذا يستطيع أن يقدٍّم أو يؤخّر؟
على الأقل، فليأخذ علماً بما يطبخ، ويتحاشَ ان يكون مرة أخرى آخر مَنْ يعلم.