كتبت أمال خليل
تضاءلت أعداد الأرمن المقيمين في صور تدريجاً منذ خمسينيات القرن الماضي، إلا أن المدينة التي تحتضن عائلة أرمنية واحدة فقط تستقبل عند كلّ استحقاق بلدي "لنازحين" عنها لانتخاب مختارهم.
مثّل مخيّما البصّ والرشيدية في صور مركزاً لإقامة الأرمن في بداية هجرتهم إلى لبنان. ففي أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، وبإيعاز من الجمعية الخيرية العمومية الأرمنية التي يرأسها نوبار باشا، اشترى الأرمن البص والرشيدية من الحكومة اللبنانية، ودفعوا ثمنهما في بنك سوريا ولبنان. وعلى الرغم من أن الدولة ماطلت في إعطائهم صكّ ملكية الأرض، إلا أن ثقل الوجود الأرمني هناك جعلهم يحصلون على منصبي المختارية فيهما. في عام 1948، مع هجرة الفلسطينيين، بدأ الانحسار الأرمني الصوري يزداد، ليقتصر على عائلة أطاميان المؤلفة من ستة أفراد، والمقيمة في البص.
صندوق المخترة كان واحداً للمنطقتين، إلى أن صدر القرار بفصلهما في دورة الانتخابات الاختيارية والبلدية عام 1998، لاحتساب المجنّسين الذين أضيفوا إلى دائرة نفوس البصّ إلى جانب الأرمن المسجّلين منذ عقود. وفيما تبدو النتيجة محسومة في الرشيدية، لا يزال الوضع ضبابياً في البص.
ففي الرشيدية، يرجّح فوز المختار الحالي، لطفي دولتيان (الصورة) بالتزكية، نظراً إلى عدم وجود منافس له من الأرمن حتى الآن، علماً بأن صندوق المخترة هناك مسجّل فيه نحو ألفي أرمني، في المنطقة التي تحولت إلى مخيم للاجئين الفلسطينيين. ويقرّ دولتيان، المختار منذ عام 1998، الذي يتابع شؤون الأرمن في البص والرشيدية، لـ"الأخبار" بأن "المشاركة الأرمنية في الانتخابات المقبلة، فيما لو حدثت على هذين الصندوقين، ستكون أقلّ من الدورات السابقة»، إذ إن دولتيان نفسه لا يقيم في الرشيدية بل في بيروت، ولا يملك فيها شيئاً على غرار سائر الأرمن المسجلين في دائرتها. ولذلك، فإنه يقصد صور «بدافع تخليص المعاملات الإدارية لهؤلاء في سرايا صور، إذا ما دعت الحاجة".
وإذا كان عدم وجود مجنّسين مسجلين في دائرة الرشيدية قد أبقى المختارية في عهدة الأرمن الغائبين، إلا أن المخترة، على غرار البيوت والأملاك، قد سُحبت من أيديهم في البص، حيث بقي رافي أطاميان (توفي قبل عام) مختاراً للبصّ، حتى خسارته عام 2004 أمام شخص آخر من سكان البصّ المجنّسين. ويقرّ أدونيس أطاميان (27 عاماً)، أحد أفراد العائلة الأرمنية الأخيرة في صور، بوجود "حسرة ناجمة عن تحوّل الأرمن، في البصّ خصوصاً، إلى ذكرى، بعد الازدهار الذي شهدته المنطقة على أيديهم".
انتقال المخترة من الأرمن دفع أقاربه إلى حثّه على الترشّح لهذا المنصب لاستعادة الوجود الأرمني التاريخي ووراثة عمّه رافي. إلا أن الطالب في الجامعة الإسلامية في صور لا يبدو متحمّساً، لأن طموحه سيقوده إثر تخرّجه إلى خارج لبنان على الأرجح، لا خارج البص فحسب. مع أنه يدرك تماماً أن أرمن البص الموزعين بين برج حمود والمتن وعنجر، يحمّلونه "المسؤولية والأمانة لمنع إبادة الأرمن مجدداً، ولرفع شعلتهم في صور عبر الانتخابات الاختيارية». رفض أدونيس للترشح وغياب بديل أرمني له، سيؤديان إلى «مقاطعة الأرمن للانتخابات»، كما يرجّح. ويذكر أنه في دورة عام 1998، شارك العشرات لانتخاب أطاميان الذي فاز حينها، إلا أن نسبة المشاركة خفّت في الدورة التالية لتسجّل 130 ناخباً «بسبب الأوضاع الصحية التي كان يعاني منها رافي حينها ومنعته من توفير بطاقات انتخابية لهم".
وكان أطاميان قد أوضح في حديث سابق لـ«الأخبار» أنهم طالبوا مراراً بـ"إقامة تجمّع لهم على نفقة مجلس الجنوب باعتبارهم مهجرين، في ظل عدم إمكان الحديث عن المنازل القديمة المشغولة من اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948، فكان اقتراح بأن يكون المكان البديل في منطقة البقبوق شمالي صور، لكن هذا الاقتراح لم يبصر النور بحجة المستقبل السياحي لهذه المنطقة".