لا يختلف إثنان على أن حزب سمير جعجع لم يكن مبادراً في تشكيل أي من اللوائح التي شاركت في الانتخابات البلدية والاختيارية في جبل لبنان، كما أن فوزه المحدود ببعض المقاعد في بعض البلدات والقرى تمّ بفعل التحالفات أو التوافقات، أكثر منه بفضل القاعدة الشعبية القواتية.
كذلك، لا يختلف إثنان على أن التوازن الاختياري الذي حققه الحلفاء المسيحيون لتيار المستقبل في الأشرفية والرميل والصيفي والمدور مع تحالف التيار الوطني الحر وحزب الطاشناق، لا يعود الفضل فيه إلى حزب القوات اللبنانية وحيداً، بل إلى مروحة واسعة تجمع أحزاب القوات والكتائب والهنشاك والرامغفار، إضافة إلى وزير الدولة ميشال فرعون وقدرته المالية والخدماتية الضخمة.
الوقائع الانتخابية لجبل لبنان يدركها جعجع ولا تؤثر فيه، وهو أقرَّ بحقائق بيروت المسيحية صوتاً وصورة أثناء مؤتمره الصحافي الأخير، من دون أن تمثل بالنسبة إليه خطراً يذكر، فهو في حساباته المستقبيلة يعول على نمو يراه مطرداً في الشعبية، يصرُّ على تبيانه بالأرقام والإحصاءات، الواقعية حيناً، والمضخمة أحياناً.
غير أن ما يجسد بالنسبة إلى جعجع خطراً محدقاً يهدد بالانهيار التام لمشروعه السياسي المضمر، أن تلفظ البلدات والقرى المسيحية في الأطراف كل الطروحات القواتية القائمة سراً على التحضير لاستغلال لحظة تاريخية مناسبة، وتطور ديموغرافي مفتعل، لتركيب واقع كياني جديد للدولة اللبنانية يختلف جذرياً عما هو قائم اليوم.
فبعيداً من زحلة والبلدات والقرى المسيحية في البقاعين الشمالي والأوسط التي باتت تفاصيلها على كل شفة ولسان، ثمة سلسلة مترابطة من البلدات والقرى في قضائي البقاع الغربي وراشيا تكاد تكون منسية في السياسة، غير أن لما جرى فيها الأحد الفائت مدلولات كثيرة…
أن ينتصر التيار الوطني الحر في جبل لبنان أمر متوقع، أما أن يفوز في كل البلدات والقرى المسيحية في البقاع الغربي وراشيا: عميق، عانا، خربة قنافار، المنصورة، عين زبدة، صغبين، بيت لاهيا، عين حرشة، كفرمشكي ومزرعة سلساتا، وحوش القنعبة، في مقابل فشل القوات اللبنانية في تحقيق ولو خرق واحد فيها… ففي الأمر سقوط مدوي لمشروع متكامل تهمس بتفاصيله وخلفياته جامعتان سياسية وشعبية في آذان شباب لبنان وطلابه منذ سنوات.
فإذا كان مسيحيو الأطراف يلفظون المشروع الحقيقي- المضمر للقوات اللبنانية، ماذا يقي لمسيحيي قلب لبنان؟
لم تكن المعارك الانتخابية في البقاع الغربي وراشيا عائلية صرف، كما قال جعجع تخفيفاً في مؤتمره الصحافي الأخير، بل كانت من أكثر الانتخابات البلدية والاختيارية تسييساً، ذلك أن غالبية الناخبين المسيحيين في تلك المناطق لا يقطنون فيها، بل في بيروت وجبل لبنان، ومن هنا يمكن اعتبار مشاركتهم سياسية بالكامل، وليست سعياً وراء خدمة بلدية من هنا، أو تسهيل اختياري من هناك.
لم يتوان حزب سمير جعجع عن تسخير كل مقدراته لخرق البقاع الغربي وراشيا: لعب على الوتر العائلي، حشد الأنصار يمسابحهم الخشبية الضخمة، وفَّر التمويل اللازم، تحالف مع الحزب السوري القومي الاجتماعي حيث لزم الأمر، ومع تيار المتسقبل ومجنسيه حيث استدعت مقتضيات المعركة…
ضرب التيار الوطني الحر هدف استراتيجي لحزب سمير جعجع لأنه نقيض متكامل لمشروعه الناقص: تثبيت المسيحيين في أرضهم وتشجيعهم على العودة إليها والبقاء فيها، واستعادة الحضور السياسي في كل مكان، تحقيقاً للتوازن، وتمهيداً لشق طريق الدولة المدنية، كل ذلك معطوفاً على التفاهمات الوطنية طرداً للتخويف ومنعاً للهجرة، ورفضاً للاستقالة من الدور…
التخويف من الآخر والدفع في اتجاه الانزواء هدفان طرحهما جعجع في البقاع الغربي وراشيا، ولو في صورة متوارية، غير أن عشر صفعات سريعة متتالية، بلدياً واختيارياً، كانت كافية ليفهم الجواب، من دون أن يسعفه هذه المرة تحوير الحقائق ورمي الأكاذيب عبر وسائل الإعلام.