#adsense

مساوئ الديموقراطية ولا حسنات الدكتاتورية!

حجم الخط

قد تتوقف أو لا تتوقف عند نتائج انتخابات نيابية أو بلدية أو نقابية أو أي مجال سياسي أو حزبي أو اجتماعي. قد تكون من هذه الجهة الرابحة أو الخاسرة، أو من الجهتين، أو لا تكون. وقد يكون عندك ملاحظات على قوانين الانتخاب، أو على طرق التصويت، أو المخالفات، أو الاستقطابات الكبرى، أو "المحادل"، أو الشعارات، أو الوسائل، وقد يكون عندك اعتراضات على هذا الحزب أو ذاك التيار، أو تلك الشخصية أو الأفكار والأيديولوجيات…

قد يكون لك كل ذلك وإن وصل إلى حدود التشكيك في العملية الانتخابية كلها، من حيث انها تكرس النظام الرأسمالي، أو الطائفي، أو العائلي، أو الحزبي… قد يكون لك ما تشاء من وضع مسافة بينك وبين هذه الاستحقاقات، او حتى بعداً، أو جفاءً، أو مقاطعة.. أو عدم ذلك.

قد يكون لك كل ذلك، وقد تقول إن الأخطاء التي حسبت في الانتخابات أكثر من ان تعد. لك كل ذلك، أن تفاضل أو لا تفاضل بين هذه الظواهر أو تلك، أو ان تعتبر حسماً أو تبريراً، ان كل هذه الانتخابات تكرس هذا النظام الذي يستولد الحروب ويهدد الدولة، ويستنفر دويلات الغرائز، وكانتونات المجموعات والأحاديات؛ قد يكون لك كل ذلك، ولكن يبقى ان الانتخابات اذا جرت، وبرغم كل الملاحظات وبِحدودها الدنيا، هي الحدث الأهم عندنا باعتبارها التعبير الأول عن الديموقراطية المباشرة، بكل ما لها وعليها.فالديموقراطية نعمة. نعمة يفتقدها الجوار الأقرب والأبعد، وربما نصف المعمورة وأكثر، حيث لا ديموقراطية، ولا تعبير ولا حرية ولا انتخابات ولا "استفتاء" ولا استطلاع. لا شيء سوى النظام الذي يستفتي نفسه، وينتخب نفسه وينتخب ناخبيه واراداتهم، ومجالسهم وأفكارهم ومشاعرهم ومدارسهم وجامعاتهم وكُتّابهم وشعراءَهم: حيث الدكتاتورية التي لا تعترف إلا بنفسها وبوجودها حيث كل شيء، سواء: الناس وحرياتهم ومصالحهم وكراماتهم ولقمتهم… لا شيء في حساباتها! لا شيء! هناك الدكتاتوريات المطلقة؛ نقول المطلقة لأن لا دكتاتوريات نسبية: الديموقراطية وحدها نسبية. لأن كل الدكتاتوريات مكتملة بذاتها: والديموقراطية غير مكتملة، قائمة على الاعتراف باخطائها وتقبل المحاسبة والنقد، في مناخ حي وحر. بمعنى آخر ترى الدكتاتورية ان الشعب الذي "تحكمه" هو فرد واحد يشبه حاكمها، فرد تجريدي، آلي يخضع للنواهي والأوامر ويقبل الخنوع: بينما الديموقراطية ترى الشعب مجموعة أفراد برغم انتمائها إلى أرضها ووطنها، تقوم على الاختلاف. ترفض الانصهار في كتلة ديموغرافية أو أيديولوجية مغلقة، تسمى القطعان؛ أي ترفض الغاء الفرد ككائن له أفكاره واراداته ومسالكه المستقلة، وحسه النقدي ووجوده وحقوقه. وهذا لا يعني مواجهة بين الفرد وبين "المجموعة" بقدر ما هو لقاء عميق قائم على الاختبارات الخاصة. فبين توتاليتارية الدكتاتوريات وحرية الأفراد تغتذي الديموقراطية من الحرية ومن الأفراد لتقوي الارادة الجماعية، كفعل اختيار لا كفعل فرض فوقاني.

وهنا استحضر جملة رائعة للصديق العلامة الكبير الشاعر السيد محمد حسن الأمين يرددها باستمرار، واستمتعها باستمرار: "مساوئ الديموقراطية أفضل من محاسن الدكتاتورية". فيا لهذه المقولة المعبرة والمكتنزة. ونظن ان السيد محمد حسن الأمين يعني الكثير هنا، لا سيما في ما يتعلق بوطنه لبنان ويعرف اكثر منا، وهو الذي عانى عميقاً الحروب التي شنت على الديموقراطية على امتداد أربعة عقود وأكثر. فكأنما يقول معنا: الديموقراطية في لبنان نعمة. نعم! نعمة! فحافظواعليها وطوّروها وحصّنوها وكرسوها، عبر ممارستها. فالديموقراطية ليست مجرد أفكار والأفكار غزيرة في الكتب. لكن في الممارسة. في الحياة. في الممارسة اليومية لا المناسبية فقط. الحزبية والنقابية والسياسية والبرلمانية والنيابية والحكومية والبلدية.. انها الفعل اليومي الذي بدونه لا تكون ديموقراطية: تكون مجرد تصويتات لفظية وجعجعة وكلام… ولا شيء. اذا لم تقارن بهذا الفعل الوجودي العميق. اذ لا سعادة ولا متعة ولا امتلاء عند الانسان اكثر من ممارسة الحرية. وهل هناك ما هو أجمل وأخطر وأعمق للانسان من الحرية: الاجتماعية والدينية والسياسية والفكرية. لا شيء. فالحرية اذا غابت عن انسان غابت عنه حياة. غابت عنه سماء. غابت ذاكرة. غابت مخيلة. غاب فكر. وشعر. وفلسفة. وحب. وشغف واختيار . اذاً ماذا ينفع اذا ربح الانسان العالم كله وخسر حريته: ولا شيء عندها يعوض العبد: لا المال ولا السلطة ولا الجاه ولا السيطرة. ولا الشهرة. العبد أفقر الخَلْق، خاصة اذا اختار عبوديته.

نحن اللبنانيين عرفنا فترةً "ضيقة" الاستمتاع بالقول العالي، الحر، وبالفكر العالي الحر، وبالسلوك الحر، وبالحياة الحرة.. ولو نسبياً. وتذوقنا طعمَ الديموقراطية وإن "فجة" هنا وغير ناضجة هناك. لكنها الديموقراطية قبل تصويب السلاح الى رؤوسنا وانتزاع أغلى ما عندنا، من قبل كل الذين اختاروا هذا البلد "ليمارسوا" "حرياتهم" الاستبدادية لمنع الحرية عندنا وتفكيك كل ادواتها وتواريخها وأحزابها واعدام جوهر صراعاتها، تصرفوا "بديموقراطيتهم الاستبدادية، ليُسمّموا ديموقراطيتنا ويعوضونا إما بالقتل والاغتيال والتدمير والتخريب والحروب وإما بالأمان: الأمان مقابل الحرية. السلامة مقابل الانتماء. فما أسوأ أهل السلامة خصوصاً الشعراء والمثقفين. الرضوخ مقابل الاختيار. الوصايات مقابل السيادة. الاستيعاب مقابل الاستقلال. حرمونا "فاكهة الجنة" الحقيقية وعمدوا إلى تدمير كل شوق أو حنين اليها، حتى كدنا ننسى مذاقها ومخيلاتها والوانها وجمالياتها وأجسامنا وذاكراتنا وسرائرنا وأصابعنا. فتعطيل الحرية هو تعطيل الجسم والحواس والروح، هو تعطيل الكائن ككل، ليتحول من دونها دجاجة لا تبحث إلا عن قُوْتها وحبوبها، في هذه المزبلة او تلك المزرعة او تلك الوظيفة أو ذاك المنصب. صارت ألسنتنا تخلط أحياناً بين فاكهة الديموقراطية وحجارة الدكتاتوريات التي تعاقبت علينا كجلاميد مرنانة تافهة.

وصارت عيوننا لا تميز بين شعار يستبطن قمعاً وبين قصيدة توحي حياة. تشوشت حواسنا: والاستبداد يشوش الحواس. وتجلدّت مشاعرنا والاستبداد جليدٌ قاطعٌ كالشفرة. والتبست خياراتنا حتى كدنا لا نميز بين طاغية يلمع في عينيه الدم والقتل، وبين حالم تمطر عيناه حناناً. وكدنا نتردد في الاختيار بين مجرم ينتعل خوذة، او بين مفكّر اعزل يزن حياته بأفكاره حتى الشهادة. فكأن العماء الاستبدادي تحول عدوى. والاستبداد احياناً عدوى. كذلك الديموقراطية والموت والحياة والحب عدوى تأخذ حيناً شكل المرض. وأخرى شكل الواقع واخرى ايضاً شكل الحياة. وبتنا نتعايش مع كل هذه الأمراض، حتى مرضت الأمراض بأمراضنا، والتعايش مع الاستبدادية هو أقسى أنواع الموت. الموت المفتوح العينين بلا ضوء. والمضموم الذراعين بلا ورود. هكذا نتأرجح بين زمنين أقواهما العدم. وعلى امتداد أربعة عقود وأكثر كان لنا ومن عجزنا ومن تهافتنا ومن شقائنا، ان نزركش قسمات المستبدين بالوان ذلّنا، وان نهتفهم بأصواتنا "بالروح". "بالدم". دمنا وأرواحنا لهم للطغاة ومن حناجرنا ومن بُحاتنا وأغانينا وقصائدنا ومقالاتنا وصحفنا وأوراقنا: كيف يسكن الطغاة الحناجر ولا تختنق؟ كيف يخرج الطغاة من أصواتنا ولا تصمت إلى الأبد؟ كيف يطلع القتلة من أوراقنا ولا تُحرق أصابعنا؟ كيف يعيش الدكتاتوريون في أغانينا ولا تنضح جبناً ويأساً… هذه شروط التعايش وقوانينها بين الناس وبين اعداء الديموقراطية: ان تبقى انت بلا شروط، ولا قوانين ويبقون هم على بروجهم التي بنوها على الجماجم والجثث والقبور. وعندها عليك ان تتحسس جبينك وانت على مرآهم، لكيلا ينصدع وأنفك لكيلا ينجدع ورأسك لكيلا ينقطع، …. هكذا دائماً امام مرآة واحدة تصوّب اليك نيرانها. فيا لهذه المرآة التي تتكاثر وتتوالد في الشوارع، وعلى الجدران وفي المنازل والثُكن والأقبية والسجون والمقابر، فيا لهذه المرآة التي لا تستثني المراحيض والمجارير: مرايا الطغاة، هل تمرأت بها يوماً، لترى كيف ان عدوى مراياهم تصيب قسماتك وعينيك ونظرك حتى اقصى صمتك. ذلك ان هؤلاء، جرفوا نعمة الديموقراطية من حياتك. نعمة الحرية. فكيف لائتلاف ٍ معهم وكيف لعاداتهم ان تصير من عاداتك. وكيف لجنونهم ان يكون من جنونك: أي تماهٍ كاد يحقق امحاءَك. وعندما يكون لك وللناس وللقادمين والمترحلين، ان يزيحوا كابوساً استبدادياً. وعندما يكون لهم، دركبة، تماثيله وانصابه من السبل والساحات. يكون عندها، أن ترى السماء سماء وأكثر، والشمس شمساً واكثر. والحياة حياة واكثر، انها النعمة، تمنحك النِعم. نِعَم الديموقراطية فاكهة الجنة، وملكوتها وما يشع منها وما يولد. وهكذا يكون للديموقراطية ان تكون ميلاداً لكل شيء. حتى للفصول الأربعة التي تختار ان تبقى فصولاً أربعة. وتولد كل يوم فصلاً أو أربعة. وللانسان ان يكون انساناً وكل يوم وليولد من يديه ومن حواسه ومن أفكاره ومن مشاقّه ومن احلامه ومن شِعره ومن كلامه. فالديموقراطية فاكهة تولد في كل ثمرة. فاكهة الجنة وثمار الحياة وعندما تُسلَب منك هذه الفاكهة، ينضب دمك. يصير أفقر من الرمل. أقفر من رأس الطاغية ومخه وبطنه. وعندما تُسلَب هذه الفاكهة تنسى الأرض انها مستديرة: تنسى الأرض انها تدور على وقع الحلم. على وقع فضاء بلا حواجز.

افتقدنا الديموقراطية عقوداً، وكنا بلا حركة. تماماً كما لو أن الأرض تغرق في الأرض: كما لو ان الزمن لا يتزحزح. افتقدناها ولم نجدها لا في قبضات الطغاة ولا في مباخر الكُهّان ولا في اروقة السجون ولا في الدماء المهراقة في كل الجهات.

عندما كان لنا ان نستعيد بعضاً منها استعدنا كثيراً من طعم البقاء. كسرنا "عادات" الانتماء غصباً إلى اعدائها. وهل من سيغفر لنا ذلك: حتى لو على أسّنة الرماح، أو فوهات الاعدام، او على مضارب قطع الرؤوس. فلو اخذوا منا يداًَ، لبقيت يدٌ تلوح بالحرية. ولو اخذوا اصواتنا لضجّ صمتنا بالحرية… لكن ان يتركونا هكذا ويسمرونا على منصاتهم لا حول لنا ولا قوة، صاغرين، مفاضلين بين الحياة والتواطؤ، فهذا افجع الفجائع! وهذا مهوى الكائن.

لكن، احياناً وكثيرة يكون لك ان تقول "لا". وتكون بداية وتقول "انا هنا" وتكون الطريق. وتقول "نحن هنا وتكون الأنا الكثيرة" في مسار المواجهة وقدرك المواجهة. وقدرنا المواجهة ففاكهة الجنة أي الحرية مرصودة تحرسها التنانين والوحوش والكواسر والموتى والمعادن. فلتكسر ما تكسر وتلعن ما تلعن. فالتعويذة ان تَجْبَه وتنقذُ الأميرة. هذا هو معنى ان تستيقظ في حريتك. ومن يستيقظ في حرية لا يمت. ولا يغلب. تماماً كالأرض. تماماً كالشجر. تماماً كالطيور. تماماً كالأطفال. وهكذا كان عليك وعلينا وعليهم أن يحطموا الحواجز، ويخلعوا الاستبداد والمنتدبين والرازحين كالجلاميد على الصدور لكي يكون ان يقطفوا معنى الفاكهة فاكهة الحرية في الحرية، ويتذوقوها… ويكتشفوا كم كانت مزروعة في أحشائهم وهم لا يدرون: ابحثوا في اعماقكم بحرية تجدوا الحرية! هذا ما قاله الكبير الكبير جبران، رؤيوي الزمن الحديث عندنا، قبلهم، وقبلنا. وعندها يكون لنا ولهم ان نؤاخي الموت من اجل الحياة ونؤاخي الخطر من اجل الأمان؛ وها نحن اليوم وبعد عقود، نستمرئ من جديد ما غاب عنا طويلاً، نستمرئ ديموقراطيتنا على نقصانها واختياراتنا الحية على ما يشوبها واخطاءنا على ما يفضي إلى حقائقنا…

لكن، وهنا المفارقة كيف لمن تعاطى الديموقراطية في سرائره وعلنه، ان يُقلع عنها؛ كيف له ان يبصق اطيب ما في مذاقه، كيف له ان يُنكر دوران الارض وينضم إلى كُهّان الماضي والظلام والأسلحة القاطعة والهذيانات الدموية. كيف لنا، وقد استعدنا شيئاً ثميناً، ان نرميه من جديد امام اقدام الاستبداد. بل كيف لنا ان نفرط بما قطعنا بالدمع والدم، ونهديه من فرط بنا وبالديموقراطية وبحقوقنا.

لم يكن لنا، اليوم، سواء مارسنا الديموقراطية الناقصة في الانتخابات النيابية، امس، والانتخابات البلدية، اليوم، سوى ان نحتفل بما مارسناه. ان نحتفل بالفعل الديموقراطي ولو طفيفاً ولو ظليلاًَ ولو لميحاً ولو عليلاً.. فالفعل الديموقراطي الذي كان لنا ان نكشف اختياراتنا امامه، أهم من الانتصارات والخسائر، أهم من الأرقام: اذ ماذا ينفع التعداد في زمن القطعان؟ سوى انه يزيد القطعان قطعاناً . سوى انه يزيد السجون سجوناً؟

نعمّ احتفل اللبنانيون مجدداً بانتصارهم المعلن على معاني الاستبدادية والاحادية والاستلاب: احتفلوا بديموقراطية "باهظة" الثمن، في حقهم بالتصويت. وحتى بالاستفتاء. وننتظر ان يكون لمن يكره الحرية أو الديموقراطية ويخافهما ان يحاول الارتداد عليها.. ان يحاول سحقها وينتقم من أهليها، ويشوهها ويسخفها ويُسفهها ويدعسها.. ان يعلن ان الحرية غُربتكم والاستبداد إلفتنا، ان يعلن ان الديموقراطية نبتة الجحيم السامة، والاستبداد فاكهة السماء…

فيا لهذه القولة التي سمعناها أُلوفاً، فيا لهذه القولة، التي تمحو الضوء عن العيون، وتقطع الهواء عن الصدور وتفصل الملمس عن الأيدي، وتقص الشم عن الأنوف.. فيا للغة القتل هذه.. كيف لنا ان نجملّها، لننتحر بها وكيف لنا ان نصوغها لنُسكت وجودنا بها!

ذلك ان الذين مالوا إلى الاستبداد، عبروا من الظلمة إلى الظلمة ومن العدم إلى العدم ومن الجحيم إلى الجحيم..
إنهم يمشون في سجونهم. ويفكرون في سجونهم. وينامون في سجونهم. ويأكلون في سجونهم. ويقتلون في سجونهم…
اما الذين يكون لهم ان يميلوا إلى الحرية.. فأي حياة… وأي وجود، وأي استمتاع وأي انتشاء.. بكل شيء!
انهم الذين يقطفون فاكهة الجنة والحرية، فاكهة الجنة برغم كل اشواكها ومشقاتها. وأخيراً عودة إلى كلام العلامة السيد محمد حسن الأمين:"سيئات الديموقراطية أفضل من حسنات الدكتاتورية!" نعم! ذلك أن الحرية هي ابنة الحياة والاستبدادية ابنة الموت والموتى!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل