في ذكرى النكبة اختارت ايران ان تكشف اوراقها على الطاولة امام كل اللاعبين، فلا نهج مقاومة ولا من يقاومون بل اتصال علني مباشر مع اسرائيل ربما سبقه ما هو غير مباشر. إيران باعت كل شعارات "الشر المطلق"، والكيان "السرطاني" "الصهيوني" "الغاصب" وكل اشارات التهديد المنبعثة من سبّابة هنا او هناك تنذر بمحو الدولة العبرية عن الخريطة.
التحاور المباشر بين عضو البعثة الإيرانية الرسمية إلى نيويورك سيد كريمي والخبير السياسي الإسرائيلي أفنر كوهين قلب الطاولة على النظام الايراني وكشف زيف شعاراته وفي المقابل صادق على كل النظريات القائلة بان طهران تستغل كل هذه الحركات والمجموعات لتنشر الثورة الاسلامية خارج حدودها الجغرافية، بل ابعد من ذلك، فالنقاش الذي دار بين الطرفين عن امكان ان تستثمر اسرائيل داخل طهران، يدفع باتجاه التفكير في ان ثمة مصالح تتعزز بين الدولتين.
ومن باب الاتهام المباشر لاسرائيل بالوقوف وراء كل مشاكل المنطقة صار مبررا ايضا اتهام ايران، الساعية لتبادل المصالح معها، بنفس الاتهام.
ومن باب اولى، يجب ايضا الوقوف على رأي الحركات المنضوية تحت اللواء الايراني وتحت عباءة قائد الثورة لمعرفة رأيها في ما جرى. فهل توجه "حزب الله" مثلا الى قيادة الثورة او الى وزارة الخارجية الايرانية مستفسرا؟ ام ان الحزب سيخرج نفسه من تحت عباءة الولي الفقيه هذه المرة ليقول انه حزب لبناني صرف ولا يتدخل في السياسة الخارجية للجمهورية الاسلامية؟
مفيد ايضا ان تسأل سوريا عن رأيها وموقفها في هذا الشأن. فسوريا المتحدثة تارة بالتركية سعيا للتفاوض مع اسرائيل، وطورا بالفارسية مهددة بالحرب، والرئيس السوري الملتقط دائما للصور الثلاثية الابعاد مع اردوغان وامير قطر مرة، ومع الثنائي نجاد – نصر الله مرة اخرى، لا ينكران محادثة اسرائيل سرا وعلانية. ولكن، ان ترى دمشق باب الانفتاح الايراني الاسرائيلي مفتوحا على مصراعيه، فهذا تطور دراماتيكي قد لا تستحمله القيادة السورية.
ولعل من المفيد هنا التذكير بأن "ايران الخميني" وقعت في العام 1980 اتفاقا عسكريا مع اسرائيل وكان ذلك في باريس فوقّع عن الجانب الاسرائيلي نائب وزير الدفاع حينها، موردخاي زيبوري، وعن الجانب الايراني ممثل شخصي عن قائد الثورة الخميني، وكان ذلك الاتفاق تأكيد على استمرار العلاقة التي ربطت اسرائيل "بايران الشاه" والرغبة الاسرائيلية في المحافظة على سوق سلاح حجمها نصف مليار دولار في ذلك الوقت، إضافة الى حماية 50 الف يهودي موجودين في ايران آنذاك. وكذلك اتفاقية الـ "كومنرا" التي اشترت بموجبها "ايران الخميني" ايضا السلاح من الولايات المتحدة، "الشيطان الاكبر"، لمحاربة العراق واستعملت اموال الصفقة لتمويل العمليات الاميركية في نيكاراغوا.
إذاً، التاريخ الايراني في بيع القضايا والشعارات ليس جديدا، بل له من الجذور ما يكفي ليجعل الحوار الجديد امتداداً لسياسة البحث عن المصلحة الايرانية من دون اي اعتبارات آخرى. فما الموقف الشرعي من اتخاذ الاسلام ستارا والقيام بكل ما ينافيه من بيع الاطفال والنساء والشيوخ على مذابح القتل الاسرائيلية في غزة وجنوب لبنان؟
لقد وضعت طهران حلفاءها في المنطقة – على قلتهم – في موقف محرج، فسوريا التي خاصمت العرب وتمسكت بحلفها مع ايران ستعيد الحسابات من دون شك، و"حماس" قد تنظر الى اقرب محطة عربية لتعود الى اتمام مصالحتها الداخلية، يبقى ان يبحث "حزب الله" عن جواب لسؤال مفاده "ما هو ثمن التقارب الايراني الاسرائيلي المفاجئ؟"