#adsense

وزراء يحاولون تسييس الموازنة لهزّ التوازن الحكومي

حجم الخط

وزراء يحاولون تسييس الموازنة لهزّ التوازن الحكومي
تفاعلات الأزمة المالية العالمية تواجَه بالتقشّف

إذا كانت سياسة الاستقرار النقدي التي انتهجها حاكم مصرف لبنان رياض سلامه اثبتت نجاحها خلافا لرأي بعض منتقديها، واستطاعت السلطة ان تحافظ على الامن والاستقرار العام حتى الآن بفضل الظروف الملائمة فازداد حجم الودائع في المصارف وحجم الاستثمارات في لبنان، فهل تنجح حكومة "الوحدة الوطنية" في اعتماد سياسة خفض العجز في الموازنة واطفاء الدين العام وهي السياسة التي ينبغي التركيز عليها في مناقشة مشروع الموازنة العامة ليظل لبنان قادرا على الصمود في مواجهة التحديات والازمات على انواعها ولا سيما منها المالية، وخصوصا ان الازمة المالية العالمية لا تزال تتفاعل وتعصف بعدد من الدول الاوروبية بعد الولايات المتحدة فاضطرت اسبانيا الى خفض اجور موظفي الدولة وخفض الاتفاق سعيا الى السيطرة على عجز الموازنة وتفاديا لتكرار ازمة اليونان، كما خفضت بريطانيا رواتب الوزراء عصرا للنفقات.

مسؤول سابق يرى ان حكومة "الوحدة الوطنية" على رغم ان السياسة تفرق اعضاءها ينبغي ان تكون موحدة اقتصاديا ولا يحاول البعض الدخول في مزايدات سياسية بلجوئه الى رفع ارقام موازنته لتبييض وجهه امام الناس واطلاق الوعود بتنفيذ مشاريع انمائية، وهو يعلم انه مع زيادة الانفاق بدون زيادة الواردات يستحيل تنفيذ هذه المشاريع وان زيادة الواردات تتطلب استحداث رسوم وضرائب جديدة او زيادتها. وهو ما يرفضه الناس ويرفضه الوزراء انفسهم الذين يصرون على رفع ارقام موازنات وزاراتهم من دون ان يقترحوا سبل زيادة الواردات لتغطية النفقات الاضافية مخافة ان يسوّدوا وجوههم مع الناس ولا سيما مع الطبقة الفقيرة واصحاب الدخل المحدود، ولانهم يحاذرون الاقتراب من الطبقة الميسورة عند استحداث رسوم وضرائب بل يساوون في تطبيقها بين الاغنياء والفقراء.

ويرى المسؤول السابق من جهة اخرى ان افضل موازنة يمكن العودة اليها كونها تلائم الظروف المالية الصعبة التي تمر بها دول العالم اذا حاول بعض الوزراء، لاسباب سياسية او حبا بالمزايدات، عدم اعتماد الدراسة العلمية والموضوعية في المناقشة وتحويل لعبة الارقام ثرثرة كلام هي الموازنة التي وضعها الرئيس فؤاد السنيورة سنة 2005 على ابواب تشكيل حكومة جديدة وظلت مشروعا. والسمة البارزة فيها كانت في الفصل الثالث المخصص للبنود الاصلاحية وهي تشكل انقلابا بل ثورة تناولت كل دوائر الدولة وفي اعلى هرمها، اي السلطات العامة (رئاسة الجمهورية ومجلس النواب والحكومة والوزراء وموظفو الفئة الاولى مرورا بالوزارات والمجالس والاسلاك العسكرية والامنية وصولا الى المؤسسات العامة والموظفين).

ومن ابرز الاجراءات التي تضمنها ذاك المشروع: الغاء مخصصات النواب من البنزين ورسوم المخابرات الهاتفية واعفاء سيارة النائب من الرسوم والغاء مخصصات النواب السابقين، وتعديل مخصصات السلطات العامة وتعويضاتها وجميع الهيئات والمؤسسات والشركات المختلطة وعلى انواعها، في اطار سياسة خفض حجم الانفاق العام والتزام سياسة ترشيد الانفاق العام بنسبة تراوح بين 15 و25 في المئة، وتعديل نظام التقاعد والصرف من الخدمة وتعديل نظام الموظفين واعتماد نظام لتقويم اداء الموظفين وتعيينهم من طريق التعاقد وتحديد عدد المتطوعين في الجيش وفي قوى الامن الداخلي والغاء وزارة شؤون المهجرين ومجلس الجنوب والصندوق المركزي للمهجرين، واحداث جهاز لادارة الدين العام في وزارة المال والاجازة للحكومة تحويل المؤسسات العامة ذات الطابع التجاري او الصناعي شركات مساهمة مملوكة من الدولة، وتعديل بعض احكام قانون الضمان وتجميع المدارس وخفض عدد دور المعلمين، واقتطاع 3 في المئة من رواتب العاملين في القطاع العام لمصلحة التقديمات الاجتماعية.

ومن ابرز سمات ذاك المشروع انه وضع حدا للانفاق من خارج الموازنة، وعدم فتح اعتمادات اضافية تتجاوز 35 مليار ليرة ووقف سلفات الخزينة وايجاد حل شامل لكهرباء لبنان وصندوق الضمان ووقف الاهدار المقونن والاحترام الفعلي لنتائج باريس 3 وعدم المس بالتقديمات الاجتماعية.

وقد وصف هذا المشروع عند وضعه بموازنة الطموحات بعدما وصف مشروع موازنة 2004 ضمن الامكانات، فهل في استطاعة الحكومة الحالية ان تقرر موازنة اصلاحات شاملة وجريئة ام ان هذه الحكومة غير المتجانسة وغير المنسجمة لا في السياسة ولا في الاقتصاد، نظرا الى تضارب الآراء لن تتوصل سوى الى اقرار الموازنة الممكنة او افضل الممكن.

الواقع، ان الجميع ومنذ سنوات يشكون من العجز في الموازنة ومن تفاقم الدين العام ولا بد من التعاون لمعالجة ذلك لا ان يتم اقرار موازنات للعجز ثم يضاف الى هذا العجز انفاق بدون موارد، رغم تكرار القول انه لا ينبغي ان يكون هناك انفاق بلا موارد، وما دام الجميع يعلمون بمعاناة المواطنين، فينبغي الا تكون رسوم جديدة ولا ضرائب ولا خفض في التقديمات بل زيادة فيها. وطالما ان هناك عجزا في الموازنة وزيادة في خدمة الدين العام، فلا بد للخروج من هذا المأزق من تفعيل الدورة الاقتصادية وزيادة في الانتاجية وفي الناتج المحلي لتحسين مستوى نوعية عيش المواطنين وزيادة في فرص العمل، ولا بد ايضا من الخفض المستمر للانفاق، والسير على درب التخصيص، واعتماد سياسة التقشف بديلا من سياسة التبذير والهدر والانفاق غير المجدي.

لقد اعلن الرئيس الحريري في افتتاح المؤتمر المصرفي العربي "اننا نريد حكومة الوحدة ليس بالمعنى السياسي فقط بل الاقتصادي والتنموي". وقال حاكم مصرف لبنان رياض سلامه: "ان الاولوية للبنان تكمن بمكافحة عجز الموازنة وانه بتطبيق الاصلاحات تتراجع المخاطر ويتفعل النشاط الاقتصادي".

وفي حديث لوزير الدولة عدنان قصار، دعا الى الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتطوير البنية التحتية واعادة التوازن للمالية.
ويرى خبراء في الاقتصاد ان تتلقف الحكومة مفاعيل ارتفاع معدل النمو فتبني على ذلك الايجابيات وتوضح الرؤية المستقبلية، واغتنام الظروف الملائمة التي قد لا تتكرر للافادة منها في شتى المجالات قبل ان تتلاشى مفاعيلها وتعود الاوضاع الى ما كانت من تشنج وتوتر ان لم يكن في الداخل، ففي الخارج. لذلك مطلوب اعطاء الاولوية لخفض العجز في الموازنة وليس تعجيز الحكومة بدوافع سياسية او شخصية للعرقلة ولو ادى ذلك الى الحاق الضرر بمصالح الوطن والمواطن.

المصدر:
النهار

خبر عاجل