سوريا غير قلقة ومرتاحة إلى الحركة في اتجاهها
انحسار الحملة حول "السكود" يعزّز استبعاد الحرب
ينقل زوار العاصمة السورية عن مسؤوليها عدم قلقهم من التطورات الاخيرة التي اتسمت بالاتهامات التي وجهتها اسرائيل الى سوريا بتزويد الاخيرة "حزب الله" صواريخ "سكود". اذ ان مفاعيل هذه الاتهامات لم تصمد طويلاً اميركياً ولا حتى اسرائيلياً، ولو ان الكونغرس الاميركي حاول استخدامها ذريعة لعدم موافقته على تعيين ادارة الرئيس باراك اوباما السفير الاميركي الجديد في دمشق روبرت فورد، لكن تبيّن ان هذه الذريعة لم تصمد لأن الاسباب الحقيقية لذلك لا تتصل بصحة المعلومات عن تزويد "حزب الله" او عدم صحتها، بل بجملة امور اخرى بعضها له علاقة بمطالب سابقة للولايات المتحدة من سوريا. حتى ان الحملة التي قامت بها اسرائيل على هذا الصعيد تراجعت الى درجة الغياب الكلي، وسحب الموضوع عمليا من التداول بحيث تزاحمت الرسائل الاسرائيلية المطمئنة لسوريا على الاثر لجهة تأكيد عدم وجود اي نية للاعتداء عليها ولا حتى على لبنان، علما ان التركيز كان على سوريا من جانب المسؤولين الاسرائيليين. مما ترك اثرا ايجابيا الى حد ما، حتى ان الكثير من الامور تُثار لأسباب سياسية او لاهداف معينة يراد تحقيقها ليس اكثر ولا اقل.
وبحسب هؤلاء فان هذه التطورات الى جانب الحركة الديبلوماسية في المنطقة، من بينها جولة وزير الخارجية الاسباني في اسرائيل وسوريا ولبنان، الى جانب زيارة الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف والزيارة المرتقبة للرئيس سعد الحريري لمجموعة من الدول العربية المؤثرة الى جانب تركيا في حال توافقت مواعيد الطرفين نظراً الى جدول الاعمال المزدحم للرئيس الحريري هذا الاسبوع قبل توجهه الى واشنطن ساهمت وتساهم جميعها في إشاعة اجواء تهدئة. وهذا لا يعني عدم دخول المسؤولين السوريين او سواهم من المسؤولين اللبنانيين او الشخصيات السياسية على الخط من أجل توظيف الاجواء الاخيرة التي نشأت نتيجة لذلك في مصلحة الدفع في اتجاهات معينة غلب عليها من الجانب السوري الاصرار على اهمية الحفاظ على الاستقرار في المنطقة.
وقد جمعت قمة ثلاثية الرئيس السوري ورئيس الوزراء القطري مع رئيس الوزراء التركي، فضلا عن زيارة للرئيس الروسي وضعت كلتاهما في خانة الوقوف مع سوريا وحمايتها وضرورة ان تضطلع بدور حيوي في المنطقة وفي تحرك مسار المفاوضات معها، في حين غلب على هذه الاتجاهات من الجانب اللبناني، اقله بالنسبة الى بعض المواقع ابراز اهمية امتلاك "حزب الله" السلاح وحرية الحركة بالنسبة اليه، في حين ظل السؤال الغامض: هل يطمئن الناس الى ان لا حرب ويخططون للمجيء الى لبنان خلال الصيف، او يبقون على خوفهم ويعدلون عن المجيء؟
ومع أن احداً لا يلغي في المطلق احتمالات الحرب او التصعيد العسكري نتيجة عناصر كثيرة قد تطرأ على الاقل في اتجاهين رئيسيين، احدهما يتصل بالمفاوضات حول الملف النووي الايراني والاوراق التي يمكن ان تلجأ اليها ايران من اجل الضغط لمصلحتها في هذا الاطار او تحييد الانظار، والآخر يتصل بالمفاجآت التي يمكن ان تحملها المفاوضات غير المباشرة بين الفلسطينيين والاسرائيليين، فان مسؤولين وديبلوماسيين كثراً امضوا الاشهر الاخيرة وحتى قبل اثارة اسرائيل موضوع تزويد سوريا اسرائيل بصواريخ "سكود" في اجراء الاتصالات التي تساهم في تعميم اجواء التهدئة بدلا من التوتير. وهم يقرّون بأن حملة الصواريخ اعادت المخاوف الى الواجهة بعد حملة التطمينات التي خاضوها، فاعادت جهودهم السابقة الى النقطة الصفر اذا صح التعبير. لكنهم على اقرارهم بارتفاع وتيرة التوتير والتصعيد مجدداً، يبدون مقتنعين نتيجة معطيات ومعلومات بأن الحرب مستبعدة في المدى المنظور لاسباب شكلية وجوهرية، تبدأ بقرب انتهاء فترة خدمة رئيس الاركان الاسرائيلي غابي اشكينازي خلال اشهر، بحيث يغدو مستبعدا خوضه حربا مجهولة النتائج ضد لبنان، وهو الذي تسلّم منصبه في اعقاب الحرب الاسرائياية عام 2006، وصولا الى ان لا مصلحة فعلية لدى اسرائيل ولا للولايات المتحدة في السماح لها بخوض حرب مماثلة ضد لبنان ولا ضد سوريا ولا حتى ضد ايران.
ويعقّب هؤلاء الديبلوماسيون على الحركة الاوروبية الفرنسية والاسبانية في شكل خاص في اتجاه المنطقة في الايام الاخيرة وبعد توتر الاجواء مجدداً، بأن الدول التي تشارك في القوة الدولية في الجنوب لا يمكن الا ان تظهر اهتماما اضافيا لوجود عناصر قوات عسكرية لها على الارض. وتبدي قلقا مشروعا في ضوء اتهامات بتزويد "حزب الله" السلاح، باعتبار ان المعلومات، إذا صحت، فان مهمة القوة الدولية تصبح معرضة للخطر في ضوء ما يشكله ذلك من خرق للقرار الدولي 1701 ومن مغزى للتحضيرات في المنطقة لحرب محتملة في اي وقت لا ترغب اي دولة من الدول المشاركة في القوة الدولية في ان يقع جنودها ضحيتها لاعتبارات موضوعية وداخلية خاصة بكل دولة. ولذلك فان الاستنفار السياسي في هذه الحال يبدو قويا قبل اتضاح الصورة، وهي الآن اكثر وضوحا لهذه الجهة بعدما طارت التطمينات في كل اتجاه لكن مع توقعات أن تعود اسباب توتيرية اخرى الى الواجهة مع اي جديد في الملفات الاقليمية التي للبنان ارتباط قوي بها.