#adsense

مكوكية الحريري من مقلبين

حجم الخط

أشاع القرار المفاجىء للرئيس سعد الحريري القيام بجولة عربية قبل زيارته للولايات المتحدة، مدرجا دمشق والرياض كأهم محطتين بارزتين فيها، انطباعات واسعة حيال قيامه بتحرك احتوائي مسبق لقطع الطريق على حلفاء دمشق في لبنان لشن حملة عليه عشية توجهه الى واشنطن. وبطبيعة الحال لم تخطىء هذه الانطباعات، ولا يبدو ان هذا الهدف كان بعيدا عن ذهن رئيس الحكومة في قراره الذي فاجأ به مجلس الوزراء نفسه، باعتبار ان الحريري بدا كمن ينفخ اللبن لأن الحليب كواه، بمعنى انه سعى الى توفير خلفية تحمي ظهره نسبيا في زيارته الرسمية الاولى للولايات المتحدة رئيسا للوزراء، وتجنب ما دأب عليه حلفاء سوريا في ممارسة هوايتهم المفضلة في مثل هذه المناسبات.

ومع ذلك فان البراغماتية الاحتوائية التي دلل عليها الحريري في خطوته هذه، لا تعني ان الشوط المتبقي لزيارته الاميركية بات مفروشا بالرياحين. فثمة في هذا الصدد عاملان أساسيان لا بد من رصدهما بدقة قبل الزيارة وبعدها، أحدهما داخلي وثانيهما خارجي لتبين أثر القدرة الحريرية الاحتوائية على مسار حكومته و"سياساتها" العامة في معزل عن السياسات الفئوية الخاصة بكل من القوى المشاركة فيها.

ففي البعد الداخلي الصرف، يواجه الحريري في زيارته الاستباقية لسوريا قبل زيارة واشنطن تحفظات عميقة مكتومة من فريق 14 آذار، غالبا هي تحفظات تقليدية وطبيعية في سياسات تنهد الى الاستقلالية التامة ولا تسلم لسوريا بطبيعة الحال بأن تكون ممرا اجباريا لانفتاح السياسات اللبنانية على الغرب وتحديدا الولايات المتحدة. هذه المرة تبدو جبهة 14 آذار هادئة تماما، بل انها تمحض الحريري ظاهراً التفويض التام كما فعلت لدى زيارته الاولى لدمشق. لكن التسليم المبدئي لرئيس الحكومة بحرية الحركة والمضي في التطبيع مع دمشق لا يخفي في المقابل تصاعد التحفظات في العمق على نمط استرضاء سوريا تجنبا لفورة انقسامات داخلية كان فريق 8 آذار سيتولاها بكل اندفاع وحماسة لو لم تكن دمشق المحطة الاساسية في رحلة التمهيد للزيارة الاميركية. واذا كانت الزيارة الدمشقية قطعت الطريق على حلفاء سوريا في اثارة شغب على رئيس الحكومة قبيل توجهه الى واشنطن، فانها سترسم في المقابل لدى فريق 14 آذار وسواه معالم الثمن الذي تتكبده الحكومة للحفاظ على استمرارها وعدم تفسخها حيال أي تحرك خارجي او داخلي لا يراعي المتطلبات السورية تحديدا، والاثر البعيد للابتزاز السياسي على "اللاتوازن" و"اللاندية" في مسار التطبيع اللبناني – السوري وانفتاح الشهية لتغذية كل ظواهر النفوذ المستعاد.

أما في البعد الخارجي الصرف، فيرجح ان الحريري في محطتيه السورية والاميركية سيعاين عملانيا و"على الارض" هذه المرة، ملامح عودة الحرب الباردة بين دمشق وواشنطن. وما يمكن ان ترخيه من تداعيات على حكومته وعلى لبنان كلاً.

ولعل هذه النقطة تكسب المكوكية الحريرية بين دمشق وواشنطن جوهر أهميتها في هذا الظرف تحديدا، الى جانب البعد المعنوي والديبلوماسي الآخر لاطلالة لبنان برئاسته لمجلس الامن في ابراز خصائص "النموذج الحي" لتفاعل الاديان والثقافات في حين هو معرض لأخطار الاستباحة الاقليمية تكرارا.

قد يكون سابقا لأوانه "التنظير" في أثر مكوكية لبنانية بين سوريا واميركا. وربما ايضا من ضروب المبالغة واللاواقعية ترقب "دور" لبناني فاعل في هذا المجال، خصوصا أن "المأثور" عن لبنان هو "دور الساحة" لا دور العازل بين الصراعات. غير انه لا يمكن هنا إلا تسجيل نقطة ايجابية أخرى لمصلحة الحريري في سعيه على الاقل الى احتواء مسبق ايضا لحرب باردة تطل برأسها اسوة بسيناريوات تهبيط الحيطان الاقليمية المتعددة الطرف. ثم ان استعادة الدور هي شرط لازم ايضا لاستعادة السيادة والاستقلال، وتحييد لبنان عن الشرور بدل الاستغراق في المزايدات الايديولوجية القديمة والطارئة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل