النتائج البلدية ··· وتحدي التوافقات السياسية

أثبتت النتائج الأولية للانتخابات البلدية أن توازن القوى بين الكتل السياسية الكبيرة يفرض عليها صيغة تعايش فيما بينها، ليس من السهل، ولا من الحكمة، التفلت منها إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، وتتغير معه قواعد اللعبة الحالية·

لقد أكدت القراءة السياسية للأرقام البلدية ان أحجام الأطراف الأساسية متقاربة، وان لكل طرف منها مساحة طائفية أو مذهبية، أو حتى مناطقية لا تستطيع الأطراف الأخرى أن تزاحمه فيها، ولا أن تزيحه عنها، وذلك بعدما فعلت حملات التعبئة والتجييش المذهبي فعلها، وكرّست الزعامات السياسية والحزبية الحالية على قواعد طائفية ومذهبية، غاب عنها الخطاب الوطني الشامل!

ومن نافل القول التذكير بأن هذا الواقع المرير يسحب نفسه على أجواء الحكومة الحالية، التي صرف رئيسها خمسة أشهر لتأليفها تحت شعارات <الشراكة< و<الوحدة الوطنية>، فاذا بطاولة مجلس الوزراء تتحول إلى ملعب للمناكفات الكيدية، واذا بالآمال التي علقها الناس على الحكومة تهوي إلى قعر الخلافات المزمنة، التي عطلت الانطلاقة المنشودة للحكومة، وأدت إلى تعثر أعمالها، فضلاً عن استفحال الشلل في قراراتها!

  

انطلاقاً من هذا الواقع القسري، لا بد للأطراف السياسية المعنية من إعادة حساباتها، ومراجعة تكتيكات تعاملها الحالي مع متطلبات هذا <التوافق الهش>، لان استمرار حالة الشلل والعجز تحت مظلة التوافق، ستضر بأطراف التوافق قبل غيرهم، وتوصلهم الى حالة الافلاس امام جماهيرهم، لانهم غير قادرين على الانتاج والانجاز، رغم وجودهم في <حكومة الوحدة>، وهم في الوقت نفسه أعجز عن احداث اي تغيير جوهري في المعادلة الراهنة، والمحكومة بسقف التوافق السعودي – السوري·

لم تعد الأكثرية السابقة قادرة على التفرد بالحكم واتخاذ ما تراه مناسباً من قرارات، ولم يعد من مصلحة المعارضة السابقة الاستمرار في سياسة التعطيل التي مارستها مع حكومتي السنيورة، ليس لأنها أصبحت شريكة في القرار وحسب، بل لأن جمهورها هو في عداد المتضررين من تعطيل إدارات الدولة ومؤسساتها، بالاضافة إلى الأضرار التي تسبب بها غياب المعالجات الجدّية والجذرية للعديد من الملفات الاجتماعية والمعيشية المتراكمة·

فلماذا، إذن، الاستمرار في لعبة تضييع الوقت، والتلهي بالخلافات الشخصية، والتنافس على المصالح الآنية، والمركب مهدد بالجنوح والغرق بمن فيه، دون تفريق بين موالٍ ومعارض، ودون تمييز بين صالح هنا وفاسد هناك·

  

ان استيعاب نتائج الانتخابات البلدية من جهة، وإدراك إبعاد المتغيرات الاقليمية المتلاحقة حولنا من جهة ثانية، يحتمان على الأطراف السياسية اللبنانية طي صفحة الخلافات السابقة، وتحويل شعارات التوافق الهش إلى وقائع يومية تطلق ورشة المشاريع الإنمائية في مختلف المناطق، وتسرِّع خطوات إعادة بناء مؤسسات الدولة،· وتفعيل أداء إداراتها وأجهزتها المختلفة·

ولعل مناقشة مشروع الموازنة تكون محطة الاختبار الأولى، إذ لا يعقل أن يستمر البلد وللسنة الخامسة على التوالي بدون موازنة تضبط الوضع المالي للخزينة، وتفرج عن تمويل العديد من المشاريع عبر القروض والهبات التي تنتظر موافقة مجلس النواب·

واذا كان ثمة إجماع على رفض فرض ضرائب جديدة لتمويل الانفاق الاستثماري في الموازنة، فإن التوافق الحقيقي والجدي على الحد من الهدر، والعمل على ترشيد الانفاق الحكومي، من شأنه أن يساعد على إطلاق مسيرة الاصلاح ومحاربة الفساد، بعد أن يتم رفع الغطاء السياسي عن المرتشين والمرتكبين والفاسدين في إدارات الدولة·

ولا يكفي أن تتغنى الأحزاب والتيارات السياسية بشعارات الإصلاح والقضاء على الفساد، دون أن تتوافق على خطة مبرمجة، تعتمد معايير علمية وموضوعية لاستئصال آفة الفساد، واستعادة ثقة اللبنانيين والمستثمرين بالإدارة والقضاء·

  

وما يقال عن الموازنة والاصلاح المالي والإداري، يُقال مثله وأكثر في الحديث عن متطلبات تعزيز الاستقرار السياسي، عبر الإقلاع فوراً عن سياسة التشكيك التي تكاد تطال كل شيء، والهدف منها التشويش على أية خطوة تنوي الحكومة، أو حتى رئيسها، الإقدام عليها·

الأمر الذي يصور البلد أمام الرأي العام الخارجي، وكأنه مقسوم على نفسه، وكأن اللبنانيين يعيشون في حالة إنقسام وتشرذم دائمة!

وهذا ما يحصل اليوم من لغط وتشويش حول زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى واشنطن، وهو ما حصل بالأمس أيضاً عندما تسلّم لبنان رئاسة مجلس الأمن الدولي للشهر الحالي!

ويحق للقاصي والداني أن يتساءل عن مبررات مثل هذه المواقف المشككة، طالما بقي لبنان ملتزماً الموقف العربي الواحد من قضية الصراع مع العدو الاسرائيلي، ومن عملية السلام المتعثرة؟

ولمصلحة من حملات التشويش على زيارة رئيس الحكومة للعاصمة الأميركية ولقائه سيد البيت الأبيض، طالما تمسك سعد الحريري بالثوابت الوطنية، ودافع عن المقاومة، وسبق له أن أعلن على باب البيت الأبيض في عهد بوش، ان سلاح المقاومة مسألة داخلية لبنانية تتم معالجتها بالحوار بين اللبنانيين··؟

فضلاً عن حرصه على التنسيق والتشاور مع عواصم القرار العربي والاقليمي بدءاً من الرياض ودمشق وصولاً إلى القاهرة وأنقرة···؟

لبنان أمام فرصة سانحة لتحقيق نقلة نوعية في مساره الوطني، السياسي منه والاقتصادي والاجتماعي والانمائي، اذا عرفت الأطراف السياسية كيف تطوي صفحة خلافاتها العقيمة وتنصرف للعمل بجدية إلى تحويل شعارت التوافق الهش، إلى خطط عملية وعلمية تجسد التعاون المنشود للنهوض بالبلاد والعباد·· قبل فوات الأوان!!

المصدر:
اللواء

خبر عاجل