#adsense

العدوى الشافية

حجم الخط

خلاصات كثيرة ترتّبت على الانتخابات البلدية في مرحلتيها الأوليين ، وستؤكّدها المرحلتان المقبلتان ، أهمّها تحديد أحجام الأحزاب والتيارات السياسية ، تمدّدا أو انحسارا ، وتشابكها مع العائلات سلبا أو ايجابا ، والتأسيس لمسارات الانتخابات النيابية سنة 2013 ذات الصلة المباشرة بانتخابات رئاسة الجمهورية في العام التالي .
لكنّ الخلاصة الأعمق والأبلغ أثرا تكمن في بداية تفسّخ الحزب – الطائفة ، واهتزاز الأحاديات الحديدية التي كادت تطيح التوازن اللبناني التاريخي وتنسف النظام السياسي الديمقراطي لمصلحة حكم اوتوقراطي سياسي – ديني تربض نماذجه على صدر بعض الدول في المنطقة .
على مدى السنوات الخمس الأخيرة ، اتجهت الطوائف الكبرى الى اسلاس قيادها لأحادية حزبية مقفلة ، وكادت تخنق أبناءها في قبضة المرجع الواحد والحزب الواحد .
وسادت حالة من الاعجاب ، بل الانبهار ، بتجربة " حزب الله " في الطائفة الشيعية ، وانزلقت فئات كثيرة من الطوائف الأخرى الى انتقاد تعدّد المرجعيات لديها والتباكي على غياب تماسكها، خصوصا في البيئة المسيحية ، وبات التنوّع والتعدّد تهمة ، أو سببا للأسف والشك والاحباط . وجاء من أوهم المسيحيين بضرورة التشبّه بالأحادية الشيعية ، وطرح نفسه مرجعا مطلقا لهم بحجّة تمثيل ثلاثة أرباعهم ، فوقع معظمهم في فخّ الزعيم الأوحد ، وكانت النتيجة انشقاقا عموديا كاد يقتل الحيوية الباقية عندهم ، وانقلابا غير مكتمل ( وغير ناجح ) على وجدانهم وتاريخهم . وثبت لهم أنّ ما يصحّ لمرحلة ما عند سواهم لا يصحّ عندهم ، في تراكم تجربتهم التعدّدية الحضارية ، وقد اختبروا معاناة مريرة عندما سقط لهم قائد تاريخي شهيدا قبل 28 عاما .
لقد أنقذ المسيحيون أنفسهم من مستنقع الزعامة الفردية بدءا من 7 حزيران 2009 ، وكرّسوا تنوّعهم الخلاّق في أيّار 2010 ، ونقلوا عدواهم السياسية المنعشة والشافية الى شركائهم في الطوائف الأخرى ، فكانت الطائفة السنّية سبّاقة في نعمة التنوّع ، ليس لدواعي التقليد والتأثّر فقط ، بل بفضل ليبرالية التياّر الغالب في أوساطها ، والذي فتح نوافذها وآفاقها على الحداثة والديمقراطية ، برغم مخاطر التعدّد على التمثيل الساحق . آثر هذا التيّار نقل قواعده الى رحاب المستقبل ، على اثارة غرائزها للاطباق عليها .
ولم يكن اختبار الطائفة الدرزية أقل تنوّعا ، فبرزت حالات لافتة في قرى عاليه وبعبدا والشوف وراشيا ، بما يطلق السياسة من أسرها ، ويحرّرها من النمطية الموروثة ، على الأقل في اتجاه ثنائية خبرها التاريخ الدرزي بين القيسية واليمنية .
أمّا العدوى الأشدّ بلاغة فكانت في البيئة الشيعية ، حيث عانى " حزب الله " في الضاحية والبقاع ، وسيعاني بعد أسبوع في الجنوب ، طلائع انفكاك عن نظامه الحديدي ، وانتكاسات في مواجهاته البلدية غير المنفصلة تماما عن المعنى السياسي . ولم يكن اخلاله بمنح حليفه العوني السلّة المقفلة والموعودة من الأصوات في جبيل والأشرفية وزحلة وقرى مشتركة كثيرة ، سوى اثبات لتراخي قبضته عن طائفته وتراجع قدرته في تجييرها ، وليس لأي سبب سياسي أو خلاف " عقائدي " بينه وبين حليفه المتهاوي . الثابت أنّ " حزب الله" يتمسّك ، حتّى الغرق ، بهذا الحليف ، لأنّه لن يجد لقية نفيسة مثله للتماهي معه ، لا عند المسيحيين ولا في الطوائف الأخرى .
نعمة هذه العدوى الديمقراطية المتدحرجة من طائفة الى أخرى تبلغ خاتمتها السعيدة اذا استطاعت خرق القبّة الفولاذية الأخيرة التي ينصبها" حزب الله " فوق طائفة كيانية أساسية ، فتتساوى اذذاك الطوائف بتعدّديتها وتنوّع خياراتها ، وتستقيم الحياة السياسية . هكذا استقامت بعد الاستقلال لأنّ التعدد داخل كل الطوائف أتاح نشؤ تشكيلات سياسية متوازنة في ثنائية مختلطة ( كتلوي – دستوري ، نهج – حلف … ) ، ولم تقف طائفة صافية في مواجهة أخرى.
لا شك أنّ الخلل الخطير الذي ضرب التوازن في العلاقات بين اللبنانيين خلال السنوات الخمس الأخيرة كان نتاج المعادلة الخاطئة :
طائفة ذات نظام مرصوص في مواجهة طوائف ذات تنوّع .
كي يقوم التوازن الصحيح بين الطوائف يجب أن يقوم توازن داخل كل طائفة فلا تخضع لطغيان أو استئثار . الأولوية هي للتوازن بين مكوّنات كل طائفة بما يؤدّي الى التوازن بين مكوّنات الوطن .
والحلّ هو في رفع النظام المرصوص وحالة الطوارىء عن الطائفة الأخيرة المأزومة ، ولو تذرّع " قائدها " بذريعة المقاومة والحماية ، وليس الحلّ في جرّ الطوائف الأخرى الى تجربة انغلاقية محكومة بالسقوط ، مهما امتدّت في الزمان والمكان .
انّها عدوى خير وعافية ، سيقطف اللبنانيون ثمارها المباركة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل