ليس من الغريب بشيء أن يقفز جميل السيّد الى مهاجمة "القوات اللبنانية" لدى كل إطلالة إعلامية له يستجديها من بعض أصحاب الشاشات والإذاعات والصحف المرتهنة لقوى مخابراتية خارج الحدود، وربما أيضا لدى البعض داخلها، إذ يعتقد هذا الضابط المتقاعد من الجيش أو المُرحّل من صفوفه مع زملائه في النظام الأمني السابق بفعل "ثورة الأرز" التي انطلقت إثر إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بأن الرأي العام اللبناني سيقتنع بأقواله وسيؤمن به رجلا صادقا منزّها عن كل خطأ وعيب، وعفيفا طاهرا لا بل ملاكا أنزل بالحجاب وألحق به الظلم جورا وتعسّفا.
في الواقع كم كنا نتمنى نحن الشعب اللبناني الحرّ الذي تحداه وتحدى نظامه البوليسي والمخابراتي في الطرق والشوارع والأزقة ودور العدل وحتى داخل المدارس والجامعات والمؤسسات الرسمية والخاصة، كم تمنينا لو كان السيّد فعلا رجلا نظيفا وكفه براء من دماء الأبرياء والأحرار والشرفاء من الحزبيين المناضلين في سبيل تحقيق السيادة والحرية، كم كنا نتمنى لو لم تكن يداه قد إمتدت (أقله في إطار الشكّ) الى كنيسة سيّدة النجاة في زوق مكايل لتُسقط على مذبحها أحد عشر شهيدا من المصلين المؤمنين بلبنان بلد الرسالة والتعايش، وذلك بهدف إيجاد الذريعة القانونية والأمنية للإنقضاض على "القوات اللبنانية" وتحديدا للنيل من قائدها الدكتور سمير جعجع ورفاقه .
كيف تريد أيها السيّد بالكنية واللاسيّد بالأفعال والممارسة، أن يصدّق اللبنانيون ما تفبركه من أكاذيب بحق "القوات اللبنانية"، وأنت من كنت تأمر أزلامك بوضع رفاقنا داخل صناديق السيارات وسوقهم دون وجه حق الى السجون والمعتقلات حيث واجهوا مع عائلاتهم أبشع أنواع التعذيب والقهر والذل بهدف إنتزاع إعترافات وهمية منهم تمكنّك مع القضاء العضومي آنذاك من إدانة القوات اللبنانية زورا قيادة وأفرادا ومناصرين، كيف ننسى وأرواح شهدائنا الذين سقطوا على أيدي أزلامك جراء ما عانوه من تعذيب جسدي في أقبية وزارة الدفاع ما زالت تقض مضاجعك ليل نهار. كيف ننسى وجدران الزنزانات وحديد أبوابها شاهدة على ما كان يُمارس داخلها وبأمر منك من إجرام بحق المعتقلين فيها لا بل بحق الإنسانية ككل، كيف ننسى وجسد أنطوانيت شاهين ما زال شاهدا على ابتكار معاونيك لأساليب التعذيب والتفنن بها.
ربما قد تتناسى سليمان عقيقي وإيلي ضو وفوزي الراسي ونديم عبد النور ورمزي عيراني وغيرهم وغيرهم من قافلة الشهداء الذين نكلّت بهم بهدف إسكاتهم وترهيب رفاقهم علّهم يتعظون بدورهم ويسكتون، وربما قد تتناسى ما مارسته قمعيتك وديكتاتوريتك بحق الصحافة
والإعلام والإعلاميين وبحق الأقلام الصادقة والمتحررة من قيود العمالة والمخابرات والتي رفضت الخضوع لأوامرك وإرهابك عليها، وقد تتناسى أيها الضابط المحال الى التقاعد المنقلب على شعار المدرسة الحربية وعلى القسم العسكري، بأن إجرامك الذي شهدته الأوساط الحزبية السيادية والمدنية الآمنة في بيوتها ودور عبادتها، وأنتهاكك الوسائل الإعلامية الحرّة لإخضاعها، لم يحقق لك مبتغاك ولم يصل بك الى ما كنت تهدف اليه مع عصابات المخابرات آنذاك بقيادتك، وذلك لأن إرادة اللبنانيين بالتحرر من ظلمك ومن بطش الإحتلال كانت أقوى من إرادتك وإرادة أمثالك وأسيادك، ولأن إيمانهم بلبنان بعد الله سيدا حرا مستقلا أعمق مما كنت تؤمن به من أقبية للعذاب وأساليب تعذيب خاصة بك، والبرهان على هذا الإيمان الصلب الذي لم ولن يتزحزح قيد أنملة مهما أولدت لحظات التخلي أمثالك من العسكريين، هو خروج الدكتور سمير جعجع بعد أحد عشر سنة من الإعتقال منتصرا عليك وعلى سجّانيه وعلى من أراد أن تكون ظروف إعتقاله ضامنة لحتمية موته وبالتالي لإزاحته من أمام مسار الإحتلال والتسلط والهيمنة على لبنان وعلى قرار اللبنانيين .
نعم نقولها بالصوت العالي، إنتصر عليك سمير جعجع بخروجه حيا مما دبّر له، فكنت أنت السجين وهو سجّانك وسجّان أسيادك ومعلميك، الإنتصار الذي إستطاع به الدكتور جعجع دحرجة الحجر عن قبر الوطن بعدما صُلب ومات على يديك، الانتصار الذي جسّد قول الشاعر أحمد شوقي :
"يا فاتح القدس خلّ السيف ناحية ليس الصليب حديدا كان بل خشب
إذا نظرت أين إنتهت يده وكيف جاوز في سلطانه القطب
علمت أن وراء الضعف مقدرة وإن للحق لا للقوة الغلب"
مع فاريق بسيط وهو أن سمير جعجع لم يكن يوما ضعيفا، ولم تعرفه الساحة الوطنية سوى رقما صعبا يستحيل تجاوزه أو محوه، ولم يكن إلا عنيدا بالحق وقويا بإيمانه بلبنان واللبنانيين، أرعبك بصلابته فقررت مع حلفائك وأسيادك إزاحته جسديا وليس فقط سياسيا، وذلك من خلال وضعه في معتقل تم تجهيزه خصيصا لهذا الغرض، فها هو اليوم خرج أقوى مما كان عليه قبل الإعتقال، وألحق بك وبأسيادك وأعوانك وأزلامك الهزيمة الكبرى، الهزيمة التي أرجعتك الى حقيقة حجمك والى حقيقة الأوهام التي كنت تأمل في تحقيقها، الهزيمة التي ترفض تصديقها والتي دفعتك وتدفعك الى مهاجمة القوات والدكتور سمير جعجع علّ نفسك تستكين بما تقوله وتسمعه وحدك دون سواك.
إنتصار سمير جعجع عليك حقيقة ساطعة كأشعة الشمس في عزّ الظهيرة سواء تقبلتها أم لا، فهو الواقع الذي مرمر لك حياتك، والأصح أن سمير جعجع لم يسجل إنتصارا ساحقا عليك وحسب إنما أيضا خرج من معتقله أقوى مما كان عليه قبل الإعتقال، وما زاده قوة ومكانة في أعين اللبنانيين حتى في أعين الكثير من أخصامه السياسيين، هو شجاعته التي تميّز بها عن الآخرين ممن شاركوا بالحرب الأهلية وذلك من خلال إعتذار تقدم به الى كل من أخطأت اليه "القوات اللبنانية"، فهل ستتجرأ أنت يوما وتعترف للبنانيين بأنك أخطأت بحقهم وبحق الوطن؟ وهل ستتحلى ولو ليوم واحد بتلك الشجاعة وتعلن توبتك أمام اللبنانيين عن كل ما ساقته يداك بحقهم من إجرام وتنكيل وخطف وتشريد؟ وهل ستستطيع الكشف أمام الله والناس عن حساباتك المصرفية في لبنان والخارج لتقول من أين لك كل تلك الأموال المنقولة وغير المنقولة ؟ وكيف جمعتها على حساب إفقار الناس وقهرهم؟ وأخيرا وليس آخرا هل ستستطيع تجاوز آمريك وتمارس جرأة الإعتراف والإعتذار والتوبة، أم ستبقى مأجورا لهم ورجلا مصطنعا على قاعدة "قصص ورق ساويهم ناس"؟
صحيح أن سمير جعجع دفع ثمن مواقفه الوطنية، إنما الأصح هو أنه قدّم نفسه فداء عن اللبنانيين بعدما رفض ما عرضه عليه الإحتلال السوري من مراكز ومناصب سياسية، وما حاول إغرائه وإغوائه بها، تماما كما عرضه على غيره وقبل بها، بعد أن أغرته التوصيفات والألقاب فركب قطار الإستسلام والاستزلام، والكل يعلم أنه كان بإستطاعة سمير جعجع الخروج من زنزانته في اليوم الثاني من إعتقاله، إذ كان يكفي أن يعلن بكلمة واحدة إستسلامه وخضوعه للإحتلال وللنظام الأمني الذي كان السيّد رأسه والعقل المدبر والمخطط فيه .
نصيحتي للسيّد ولمن لفّ لفيفه، وطبعا نقولها عن قناعة وإيمان بمسيرتنا التي شهدت وستبقى الصفحات البيضاء من تاريخ لبنان شاهدة عليها، أن يكفّ عن مهاجمة سمير جعجع وعن توصيفه بعبارات لم يعرف تاريخ السيّد سواها كتوصيفات تليق بأعماله، حتى وإن بدأ السيد يشعر بوقع الهزيمة التي مني بها وبالأوجاع التي يشكلها سمير جعجع في خاصرته، فصفحتك قد طويت، وأفل نجمك المصطنع، وما عاد من تلك وذاك في ذاكرتنا سوى إفتقادنا لرفاق مناضلين أحبوا هذا الوطن وكرهوا العابثين به أمثالك .