#adsense

المركز اللبناني للمعلومات: قراءة في النتائج السياسية لانتخابات بيروت والبقاع وجبل لبنان

حجم الخط

أصدر قسم التحليل السياسي في المركز اللبناني للمعلومات تقريراً بشأن المرحلة الأولى من الإنتخابات البلدية والإختيارية في جبل لبنان وتقرير آخر عن المرحلة الثانية في بيروت والبقاع.

التقرير الأول: قراءة سياسية في انتخابات جبل لبنان البلدية

لم تخرج نتيجة الجولة الأولى من الانتخابات البلدية في جبل لبنان عن سياق ما تحقق في الانتخابات النيابية، ما يؤكد انحياز الرأي العام اللبناني عموما والمسيحي خصوصا إلى خيارات 14 آذار السياسية وتوجهاتها، وهذا ما سيكون له تداعيات عدة على الأرض، إذ أن "النزف العوني" لن تقتصر تداعياته على الواقع المسيحي بتراجع مسيحيي 8 آذار مقابل التفوق والنجاح المستمرين لمسيحيي 14 آذار، إنما ستتجاوز هذا الواقع المسيحي لتصيب وضع حزب الله الذي بدأ يفقد تدريجا الغطاء المسيحي لسلاحه، وانعكاس هذا الواقع على طبيعة العلاقة بين الطرفين، ناهيك عن الاهتزازات في وضعية النائب وليد جنبلاط السياسية والشعبية، والحراك الشيعي خارج الثنائية الحزبية وتفلت أمل من حزب الله، والالتفاف السني حول الرئيس سعد الحريري… وفي قراءة سياسية لهذه النتائج نلفت إلى التالي:

أولا: أبرز الخلاصات السياسية التي أفرزتها الجولة الأولى من الانتخابات البلدية في جبل لبنان تكمن في الآتي:

أ‌- أظهرت نتائج الانتخابات، وبشكل حسي ودقيق، تراجعا كبيرا للتيار الوطني الحر، ما يعني أن هذا التيار يسير في خط تراجعي ثابت، ويفقد يوماً بعد يوم غالبية الـ75 بالمئة من الجمهور المسيحي التي كان يتمتع بها قبل خمس سنوات فقط.

ب‌- من الواضح إذا أن تبدلاً في مزاج الرأي العام حدث خلال سنة على الانتخابات النيابية.

ج- سقوط حصرية التمثيل العوني لجبل لبنان الشمالي، حيث أظهر الناخب في تلك الدوائر عن وعي سياسي ورغبة قوية في محاسبة عون على خياراته الوطنية المخالفة لخيارات المسيحيين التاريخية.

د- لم يعد من أدنى شك بأن الخيار السياسي العوني بات بعيدا كل البعد عن «الوجدان المسيحي» والتوجه المسيحي التاريخي، وأن هوس السلطة والثأر جنح بعون نحو تفاهمات وتحالفات سياسية تناقض الطبيعة المسيحية، وهي تنادي بصراعات مفتوحة لا تتلاءم مع رغبة الجمهور المسيحي. ومن هذا المنطلق جاء رفض المسيحيين لتحالفات عون وخطاباته التي تتعارض مع مزاجهم التقليدي، وهم ضد إدخالهم في مواجهة مفتوحة مع حلفائه التاريخيين في البيئة المسلمة الذين وقعوا معهم في الماضي البعيد الميثاق والصيغة، بصفتهما مخرجاً من الحروب الاهلية والانقسامات الداخلية.

هـ- دخول الحالة العونية في خريف عمرها ليس فقط من ناحية التوجه السياسي، إنما كذلك الأمر لناحية الواقع التنظيمي للتيار الذي يشهد تفككا بطيئا إنما ثابتا ومستمرا.

و- أثبتت النتائج تقدم "القوات اللبنانية" على أرض جبل لبنان، وكان من الملاحظ إحرازها انتصارات بلدية واضحة في جبل لبنان الشمالي (جبيل وكسروان والمتن)، وبروزها القوة المسيحية الأبرز ومن دون منازع في جبل لبنان الجنوبي (عاليه والشوف).

ز- ومن مؤشرات هذه الجولة الأولى من الانتخابات أن اصوات «الشيعة» في ساحل المتن أو مدينة جبيل لم تصب لصالح عون. وسواء كان هذا "تفلتا" أو "ثأرا" من "حركة امل" أو بالتنسيق مع "حزب الله" فان في الاجواء ما يقلق بالنسبة إلى عون، إذا على رغم أن تحالف "قرداحي" و«التيار الوطني الحرّ» ضمّ شيعياً، إلا أن أرجحية الاقتراع الشيعي كانت من نصيب لائحة "الحواط"، مما يطرح بعض علامات الاستفهام حول علاقة شيعة جبيل بـ"حزب الله" ومدى جاذبية "كاريزما" بري في مساحة مشتركة كهذه، خاصة أن "أمل" تفلتت في جبيل في بلدات عدة من الاتفاقات المعقودة بينها وبين "حزب الله"، وهو أمر أحدث مناخاً من انعدام الثقة بين الجانبين.

ح- أما على الصعيد الأرمني، فحزب "الطاشناق" الذي يواصل اعلان تحالفه الاستراتيجي مع "التيار»الوطني الحر" بدا ملتبسا في اكثر المواقع حساسية، حيث مالت اصوات الارمن في المتن الى اعادة احياء الصداقة التاريخية التي تربطهم بميشال المر وقد حظي حزب الكتائب ببعض بركاتها. فيما اوحى الارمن في جبيل مثلا الى عودتهم الى "العباءة الرئاسية" التي طالما استظلوها… هذا من دون احتساب قرارهم بالانضمام الى لائحة الرئيس سعد الحريري في بيروت بمعزل عن التيار الوطني الحر.

ط- لم يكن عون وحده الخاسر الأبرز في هذه المرحلة الأولى من الانتخابات، بل أن خسارة النائب وليد جنبلاط التي لم يسلط الضوء عليها كانت لافتة، حيث أن الدروز حزبيين وغير حزبيين، انتفضوا على جنبلاط وشكلوا لوائح في "عماطور" و"كفرنبرخ" و"بطمه" و"بعذران" تحدوا فيها إرادة جنبلاط وأسقطوا لوائحه في هذه القرى، في سابقة هي الأولى لزعامة المختارة.

ي- انتصار الدولة لمبدأ احترام دورية الانتخابات وانتظامها، خلافا لرغبة أمل-حزب الله-عون، وذلك من أجل إبقاء النظام الديموقراطي حيا في ابسط قواعده واصوله على الاقل، بانتظار الانتهاء من الحالة الاستثنائية التي تعيشها البلاد، خصوصا أن طبيعة هذه الانتخابات هي من أبرز الخصائص التي يتميَّز بها لبنان عن محيطه العربي وامتداداته.

ك- إن تشديد رئيس الجمهورية ميشال سليمان المتواصل على اتمام الاستحقاق البلدي في موعده يدخل في باب الانجازات التي تسجل لمصلحته، نظراً الى الجدل الذي سبق حول حصول الانتخابات او عدمها. فلولا اصرار الرئيس ميشال سليمان وقوى 14 آذار على احترام الاستحقاقات الدستورية واجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية والبلدية في مواعيدها لما رأت الانتخابات البلدية النور.

ثانيا: أبرز التحليلات التي يجدر التوقف عندها، ليس لتبنيها إنما للاطلاع عليها، خصوصا لجهة التصويت الشيعي والأرمني الذي صب لمصلحة رئيس الجمهورية في جبيل وميشال المر في المتن:

1- قد تكون اطياف المعارضة ارادت الاستدراك عن وضع كل رصيدها المسيحي في سلة العماد ميشال عون وتياره. وبالتالي فهي همشت عن غير قصد حلفاء لها في اكثر من منطقة. والتيار الذي كان يعّول عليه في استقطاب واسع للشارع المسيحي راح ينازع الحلفاء على ارضهم وليس الخصوم.

2- اكتشفت ان رئيس الجمهورية، الذي حورب على ارضه في جبيل، يمكن ان يقدم الكثير من موقعه خصوصا انه اعاد التأكيد مجددا على ضرورة حفظ المقاومة برموش عيونه. وبالتالي لا ضرورة لترك "قوى 14 آذار" تصور نفسها داعمة للرئيس سليمان فيما هو يحرص على البقاء على مسافة واحدة من الجميع. وبالتالي فإن إنجاحه في الانتخابات البلدية في مدينته ومسقط رأسه هو نوع من تعبير عن حسن نية المعارضة، خصوصا أن "بلدية بالزايد أو بالناقص" لا تقدم او تؤخر كثيرا في المشهد العام.

3- ومن الإشارات السياسية في جبيل أن "الخصومة" – إذا جاز التعبير – باتت مكرّسة بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان وميشال عون، فالأخير صب كل جهده في الانتخابات النيابية واليوم في البلديات من أجل إظهار عدم تمثيلية سليمان حتى في منطقته ومسقط رأسه، وبالتالي استطاع رئيس الجمهورية أن يثأر من عون، ولن يتردد في مد نفوذه مستقبلا إلى قلب كسرون بواسطة "آل افرام".

ثالثا: أبرز الملاحظات التي يمكن تسجيلها على مستوى بعض الدوائر الانتخابية:

جبيل:
– شكلت نتائج انتخابات مدينة جبيل ضربة قاسية للعماد ميشال عون الذي دعم بقوة المرشح لرئاسة البلدية الوزير السابق جان – لوي قرداحي. فيما فازت "لائحة جبيل احلى" برئاسة زياد حواط بالمقاعد الـ 18 كاملة في المدينة. ومع أن رئيس الجمهورية ميشال سليمان رفض أن تحسب عليه سلفاً الجهة الفائزة، فان فوز حواط القريب منه، الى جانب فوز لائحة التحالف التي تضم مناصرين للرئيس سليمان في عمشيت والتي فازت بدورها، شكلا ضمناً فوزاً له بدعم من قوى 14 آذار في جبيل وعمشيت. أما لجهة البلدات الأخرى في القضاء، فلم يفز التيار بأكثر من ثلاث أو أربع بلدات، في حين فازت قوى 14 آذار في باقي قرى

وبلدات القضاء من قرطبا والعاقورة إلى بجة التي كانت تعتبر معقلا من معاقل التيار لجهة أن منسق التيار في القضاء من هذه البلدة.

– لقد أحدثت انتخابات مدينة جبيل تداعيات سلبية على وضع التيار وصورته، خاصة أن العماد ميشال عون، كان يعطيها بعداً ضاهى الانتخابات النيابية.

– انتهت معركة جبيل البلدية على واقع يرسم هزيمة العماد ميشال عون في قضاء «محسوب عليه». في المدينة التي قيل عنها «أم المعارك»، والتي خاضها الجنرال بالنزول إلى ساحتها بالفعل والقول، لم يخرق مقاعد مجلسها البلدي الثمانية عشرة ولو بمقعد واحد.

– تأسيسا على ما تقدم، فإن دل هذا الواقع الجبيلي على شيء، فعلى أن فوز عون بالمقاعد النيابية للقضاء عام 2009 جاء بفعل أصوات حزب الله وأمل في القرى الشيعية، وأن حضوره المسيحي إلى تراجع كبير عن السابق.

– اما التصويت الشيعي في القرى المختلطة الشيعية والمسيحية فجاء ايضا محرجا للعماد وتياره. وحيث يمثل الشيعة ارجحية عددية، فقد عمدوا الى إقصاء المسيحيين عن لوائحهم وتحديدا في "مشان" و"الحصون"، ما دفع بالمسيحيين الى مقاطعة الانتخابات ففازت لوائح شيعية صافية ما يجعل من ورقة التفاهم في مهب الريح.

كسروان:
اللافت في كسروان أنه في استحقاقي 2005 و2009 كانت النتيجة لصالح التيار، بينما النتيجة اليوم هي لصالح القوات. وبمعنى أدق، فحيث كان هناك معارك انتخابية خسر التيار في كسروان (زوق مكايل، زوق مصبح، حراجل، عشقوت، القليعات، جعيتا…)، ومن هنا سعيه إلى توافقات في جونية وغيرها من البلدات الكسروانية.

المتن:
– في المتن الشمالي وسطاً وساحلاً استعاد النائب ميشال المر قصب السباق على نحو واضح، إن متحالفاً مع القوات والكتائب في بلدات عدة، أو منخرطاً في تحالفات أوسع مع "التيار الوطني الحر" و 14 آذار.

– لم يسجل التيار في هذا القضاء أي انتصار يذكر إلا ضمن تحالفه إما مع الكتائب أو القوات أو ميشال المر أو الثلاثة معا.

دير القمر:
لقد احتل الفوز الذي حققته «14 آذار» في دير القمر، حيزاً أساسياً في التقييم السياسي انطلاقاً من اعتبار ان انتخابات الدير تشكل مساحة الالتقاء الاولى ما بين «التيار الوطني الحر» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» في جبهة انتخابية واحدة. وما حصل في الدير هو محاولة "بلف" سياسية، حيث تمسك التيار العوني وناجي البستاني والحزب الاشتراكي بالتوافق بغية دفع القوات والاحرار لصرف النظر عن التحضير لمعركة الانتخابية، مقابل الاستعداد الكامل من قبلهم للمواجهة الانتخابية بهدف إخراج القوات والأحرار من بلدية دير القمر والقول أن مسيحيي 14 آذار فازوا نيابيا بأصوات الاشتراكي لا أصواتهم. ولكن بعد انكشاف مخطط التحالف الثلاثي سارع كل من النائب جورج عدوان والنائب دوري شمعون إلى استنفار قواعدهما القواتية والشمعونية من أجل إسقاط مخطط الاستيلاء على البلدية، وقد استطاعوا تحقيق فوزا مهما بحصولهم على أغلبية 12 على 6.

إقليم الخروب:
اما في اقليم الخروب فقد خرج جنبلاط وحزبه من المعادلة البلدية والاختيارية على يد "تيار المستقبل"، حيث ايضا مارس جنبلاط "بروفة" التحالف من تحت الطاولة مع "الجماعة الاسلامية" لاسقاط لوائح "تيار المستقبل" حيث استطاع الى ذلك سبيلا. لكن الصناديق، وردة الفعل الشعبية، أخرجت جنبلاط والجماعة من البلديات. ويسجل انه، للمرة الاولى، لا وجود للجنبلاطيين في بلديات اقليم الخروب.

رابعا: قراءة بالتصويت الشيعي في القرى الشيعية:
كرّس التحالف بين «حزب الله» وحركة «أمل» مبدأ تجنب «التصدعات» في صفوف الثنائي الشيعي وجمهوره، فالمخاوف من هذه التصدعات كانت وراء الإصرار على تحالفهما الوثيق في الانتخابات البلدية، لئلا تتكرر (المنافسات الحادة بينهما والتي حصلت في انتخابات عام 2004 البلدية. و «حزب الله» يريد تجنب هذه التصدعات في ظروف محلية وخارجية دقيقة عنوانها الانتقادات لسلاح المقاومة، لئلا يفهم خصومه أن الدعم الشعبي الشيعي له قد تناقص أو تراجع، وبالتالي استعاض التحالف عن رغبته الضمنية بتأجيل الاستحقاق الانتخابي، التي طرحت أمام غير مرجع وجهة سياسية في الأشهر الماضية ولم تلقَ التجاوب، بقرار سياسي حاسم بالتحالف لتفادي الخلافات قضى بتبادل التنازلات من جهة عبر توزع المقاعد، وبإشراك العائلات بنسبة معينة في البلديات لإرضائها، من جهة ثانية.

وعليه لم يكن أي من المراقبين يتوقع حصول خرق للوائح التي دعماها في جبل لبنان ولا سيما الضاحية الجنوبية حيث بلديتا الغبيرة وبرج البراجنة اللتان تصنفان في المرتبة الثانية بعد بلدية بيروت من حيث عدد الناخبين.

وإذ حصد تحالفهما المجلسين البلديين فيهما، فإن اكتساحهما لهما نتيجة الائتلاف لم يمنع تسجيل بعض الظواهر السياسية في المنافسة البلدية التي جرت في هاتين البلديتين، لاستخراج معانيها السياسية:

ففي الغبيرة (21 عضواً) تمكنت اللائحة غير المكتملة برئاسة علي قاسم ناصر من الحصول على أكثر من ألفي صوت مقابل زهاء 4500 صوت للائتلاف بين «حزب الله» و «أمل» برئاسة رئيس البلدية الحالي محمد سعيد الخنسا (أبو سعيد) على رغم ان الحزب طرح شعارات ضاغطة على الناخبين، وردد مناصروه أن التصويت للائحة يعني دعماً للمقاومة، وهذا بالإضافة إلى دخول مناصري التحالف الشيعي الى بعض أقلام الاقتراع لتوزيع اللائحة فيها بدل توزيعها خارج مركز الاقتراع، والحؤول دون ممارسة القوى الأمنية صلاحياتها أحياناً.

أما الظاهرة الثانية التي سجلها المراقبون أيضاً أن رئيس لائحة الائتلاف، الخنسا، وهو من القياديين البارزين في «حزب الله»، حلّ في مرتبة متخلفة عن أقرانه في اللائحة في عدد الأصوات فيما حصل المرشحون المستقلون وبعض المحسوبين على «أمل» من اللائحة الفائزة في مراتب أولى من حيث عدد الأصوات، وهؤلاء بينهم من ترشح في الانتخابات البلدية السابقة عام 2004 على لائحة «أمل» التي نافست لائحة الحزب التي فازت فيها.

وفي القراءة الأولية لمعنى هاتين الظاهرتين المحليتين في الغبيرة أن الاقتراع للمرشح علي ناصر قد يعود الى أن المزاج الشعبي الذي اعترض على الائتلاف يفضل تغيير الوجوه وهذا يشمل رئاسة البلدية التي يتولاها الخنسا للمرة الثالثة بنجاحه أول من أمس، وأن حجب الأصوات عنه من قبل بعض مؤيدي الائتلاف من دون زملاء له وحلفاء في اللائحة نفسها الذين نالوا أصواتاً أكثر منه، مرده الى رغبة بعض عائلات البلدة في الاشارة الى اعتراضهم على تجاهل حضورها ودورها. ويمكن تصنيف بعض الأوراق البيض التي ظهرت في بعض الصناديق في هذا الاطار أيضاً، ولم يعرف عددها في انتظار فرز النتائج النهائية.

والمشهد الانتخابي من هذه الزاوية امتد الى بلدية برج البراجنة التي هي من 21 عضواً أيضاً، وحيث نافست لائحة غير مكتملة من 3 مرشحين، الائتلاف بين الحزب و «أمل» وبعض المستقلين من العائلات، من دون أن يكون أعضاء اللائحة المنافسة قد توهموا بإمكان الربح، إذ كان هدفهم تسجيل رقم انتخابي للدلالة الى ان ثمة قوى معترضة على ما تعتبره «استئثاراً وعدم الأخذ برأي الجمهور العريض في الطائفة وتركيب التوافقات الفوقية». وحصلت اللائحة المنافسة هذه على زهاء ألف صوت مقابل نجاح لائحة الائتلاف بزهاء 4300 صوت.

ويقول منافسو لائحة تحالف «أمل» و «حزب الله» إنهم خاضوا المعركة مع تحضير متأخر نظراً الى أن معظم الأطراف كانت تعتقد أن الانتخابات البلدية ذاهبة الى التأجيل وأنه لو كان لديهم متسع من الوقت لسعوا الى استقطاب مناصرين لهم بأعداد أكثر.

ويشير هؤلاء الى وجوب احتساب تراجع نسبة الاقتراع للمجلس البلدي قياساً الى نسبة الاقتراع في انتخاب المخاتير في برج البراجنة، إذ إن كثيرين انتخبوا لهؤلاء من دون التصويت للمجلس البلدي، فضلاً عن اكتشاف العديد من الأوراق البيضاء، والأوراق اللاغية التي تضمّن بعضها شعارات موجهة ضد «حزب الله» وأخرى ذكرت اسم النائب باسم السبع.

-والاشارة اللافتة في انتخابات برج البراجنة هي فوز معظم المخاتير المدعومين من النائب السبع إذ نجح اثنان من أربعة هم عدد مخاتير المنطقة وفازا بفارق أصوات يناهز الـ 1100 صوت عن المرشح المدعوم من «حزب الله» أي فاروق عمار شقيق النائب عن الحزب علي عمار، وحل رابعاً المختار المحسوب على حركة «أمل». وامتنع أنصار السبع عن التصويت في المعركة البلدية.

وعليه، لعل أهم ما ينبغي تسجيله، في النهاية، من نتيجة الجولة الأولى هو:
– المسار الانحداري لـ"التيار الوطني الحر" في غالبية المناطقة المسيحية.
– غلبة المزاج الـ14 آذاري بنسبة راجحة جدا داخل البيئة المسيحية.
– الإرباك الجنبلاطي بعد تموضعه السياسي الجديد في 2 آب الماضي.
– استمرار الالتفاف السني حول تيار المستقبل وخياراته الوطنية، حيث أعادت الطائفة السنية التأكيد على أن الرئيس سعد الحريري يمثل قيادتها، وأن خيارها 14 آذاري صافي.
– حراك لافت داخل الطائفة الشيعية: افتراق جبيلي بين "شيعة أمل" و"شيعة حزب الله"، وحضور سياسي شيعي في برج البراجنة خارج الثنائية الحزبية، وفوز مهم في انتخابات المخاتير. انطلاقا من هذه المؤشرات يمكن القول بأنه عندما تتوافر ظروف موضوعية لن يصوت الشيعة "بلوك"، وأن التنوع داخل هذه البيئة موجود بقوة ولكنه مغلوب على أمره.
– استطاع رئيس الجمهورية، بالتحالف مع 14 آذار، أن يعيد اعتباره في مسقط رأسه وفي مدينة جبيل، في وجه ميشال عون.

التقرير الثاني: قراءة سياسية في انتخابات محافظة البقاع

لم تختلف الجولة الثانية البلدية، من حيث مدلولاتها ومؤشراتها، عن الجولة الأولى، وتحديدا لناحية استمرار انحسار الحالة العونية داخل الشارع المسيحي، ولكن البارز في المشهد البلدي عموما، بمعزل عن هذه النتيجة أو تلك على أهميتها، هو هذا التخلي من قبل سوريا وحزب الله عن العماد ميشال عون، باعتبار أن لهذا التخلي أبعاده السياسية، ولكن قبل الغوص في تلك الأبعاد لا بد من التوقف عند بعض النماذج الانتخابية تدعيما وتأكيدا على هذا التحول السريع وغير المتوقع.

فحزب الله الذي وضع كل ثقله في الانتخابات النيابية السابقة بغية انجاح لوائح العماد عون في جبيل وبعبدا وزحلة وجزين، ولا سيما جزين التي استدعت تدخلا من قبل السيد حسن نصرالله مع الرئيس نبيه بري، والذي بعدما باءت محاولاته بالفشل اعتذر من الرئيس بري مفضلا تجيير أصواته إلى اللائحة العونية، فهذا الحزب بالذات لا يمارس اليوم أي ضغط على حلفائه ليس لتشكيلهم رافعات انتخابية لعون إنما لمجرد التعاون معه والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد وتحصى:

أولا:
الصوت الشيعي في مدينة جبيل، على محدوديته بيد أن أهميته تكمن في رمزيته، حيث صبت أصوات حركة أمل لمصلحة اللائحة المدعومة من رئيس الجمهورية، أي تعويم الرئيس سليمان على حساب العماد عون، وهذا بالاضافة إلى أن لهذه المعركة، في حسابات عون، أولويتها القصوى إن من منطلق شخصي عنوانه التنافس بين "جنرالين"، أو من خلفية سياسية هدفها إبقاء الرئيس منزوع الصفة التمثيلية المسيحية لاستمرار حاجة سوريا وحزب الله إلى غطاء عون المسيحي منفردا وبالتالي استبدال سليمان بعون عند أي منعطف سياسي إقليمي-دولي.

هذا في جبيل المدينة، أما في بلدات القضاء فقد تفلتت حركة أمل من تحالفها مع حزب الله واستطرادا مع عون. كما أن الحزب لم يأخذ في الاعتبار المطالبات العونية في قريتي "مشان" و"الحصون" بتمثيل المسيحيين بشكل متوازن، لا بل لم يأبه لـ"ورقة التين" التي وقعها مع العونيين ولا لمبدأ العيش المشترك.

ثانيا:
في بيروت حيث جر حزب الله عون إلى معركة مع تيار المستقبل تحت عنوان تمثيل سنة المعارضة. فالحزب الذي يتجنب إثارة السنة عموما وسنة بيروت خصوصا دفع بعون إلى تبني خطاب طائفي مسيحي في مواجهة المسلمين كبدل عن خطاب مذهبي شيعي-سني لا يتحمل الحزب تداعياته. ولكن بعد أن انكشف أمر حزب الله انسحب من معركة بيروت تاركا حليفه العوني الذي انسحب بدوره لمعركة اختيارية خلفية. ولعل ما يقتضي تسجيله في هذا الإطار هو أن حزب الله لم يبد اعتراضا على الرئيس بري الذي انضم إلى لائحة المستقبل تلقائيا، علما بأنه كان باستطاعته منع بري من الانضمام إلى هذه اللائحة بغية التصويب لاحقا على "ميثاقية" المجلس البلدي الذي يفتقد "للتمثيل الشيعي الحقيقي".

ومن اللافت أيضا هو القفز فوق انتصار لائحة بيروت البلدية في محاولة لتصوير هذا الانتصار كتحصيل حاصل، ولكن أهميته هي استثنائية وتكمن في وعي الناخب البيروتي لأهمية المناصفة المسيحية-الإسلامية بمعزل عن الحجم الديمغرافي لهذه الفئة أو تلك، كما تعلق هذه الشريحة بتكوين لبنان وميثاق عيشه المشترك، هذا العيش المشترك الذي لم يظهر فريق 8 آذار أي حرص عليه لا ممارسة ولا ثقافة.

وإن دل هذا الفارق بعشرات آلاف الأصوات على شيء فعلى إقفال مسألة تقسيم بيروت أمام حزب الله-عون، خصوصا أن عون خرج للمرة التالية على التوالي بعد المعركة النيابية في 7 حزيران الماضي والاختيارية في التاسع من الجاري مهزوما في شوارع الأشرفية. وللتذكير فقط بأن عون لم يكن ممثلا لا في مجلس بلدية بيروت في العام 1998 ولا في مجلس العام 2004، فهو كان خارج العاصمة وما يزال.

ثالثا:
زحلة: في حال اتبعت قوى 14 آذار مبدأ الاستفتاء الذي لجأ إليه عون، فتخرج منتصرة بمعزل عن النتيجة العملية التي مكنت لائحة سكاف من الفوز، لأن ما أظهرته هذه الانتخابات بأن المزاج "الزحلاوي" ما زال 14 آذاريا، بمعزل عن الأخطاء الإدارية التي ارتكبتها القوى الاستقلالية. ولعل العبرة التي يمكن استخلاصها من معركة زحلة تمكن في أن النائب السابق الياس سكاف أيقن بأن تحالفه مع عون نيابيا كان له الأثر الأكبر في هزيمته النيابية، وهو يعتبر بأن التصويت الزحلاوي في 7 حزيران كان ضد عون وخياراته السياسية وليس ضده شخصيا، ولذلك قرر ترك عون وخياراته والعودة إلى زحلة وحدوها الجغرافية، وبالتالي الاقتراع للائحته البلدية كان مرده إلى حرص "الزحالنة" على زعامة محلية-خدماتية قررت الابتعاد عن خيارات تصادمية من دون أن تتخلى عن تحالفها مع سوريا بشكل لامضمون سياسي له. وقد ابتعد سكاف في خطاباته الأخيرة عن إثارة أي قضية سياسية خارج البعد المحلي، علما بأن الهدف السوري المركزي تمثل في محاولة استعادة الزعامة الكاثوليكة إلى الحضن السوري، هذه الزعامة التي تقاسمتها القوات اللبنانية والوزير ميشال فرعون بعد الانتخابات النيابية الأخيرة.

واللافت أيضا وأيضا في هذه الانتخابات هو أن لا سوريا ولا حزب الله قاما بأي محاولة لجمع سكاف-عون في لائحة واحدة، مما أخرج عون من زحلة بلديا بواسطة السوريين وحزب الله بعدما كانت 14 آذار أخرجته منها نيابيا.

رابعا:
جزين: لعله من المهم التوقف أمام مقال سابق للصحافي ابراهيم الأمين في جريدة الأخبار ناشد فيه حزب الله بالتدخل منعا لتحالف بري مع القوات في جزين، وقد وصل به الأمر إلى مهاجمة الرئيس بري بشكل قاس، ولكن الحزب لم يستجب لدعوات الأمين ولا لغيره وترك رئيس حركة أمل يبرم تحالفه مع القوات والكتائب بواسطة النائب السابق سمير عازار وفي مواجهة الحالة العونية في المدينة.

خامسا:
زغرتا: لقد نجح النائب سليمان فرنجيه ومنذ الانتخابات النيابية بإقصاء عون عن زغرتا، علما بأنه ما كان ممنوعا على غيره كان مسموحا له انطلاقا من العلاقة الشخصية التي تربطه بالرئيس السوري، وبالتالي لا يبدو أن عون يحاول مجرد التمرد بلديا لا في مدينة زغرتا فحسب ليكون له حصة معينة في مجلس بلديتها إنما في قرى القضاء كذلك الأمر.

تأسيسا على ما تقدم، وبالعودة إلى مطلع المقال، لا بد من التوقف أمام أبعاد التخلي السياسي من قبل سوريا وحزب الله عن عون، هذا التخلي الذي أقصاه من التمثيل السياسي في الأطراف (زحلة، زغرتا وجزين) وأبعده عن العاصمة وأبقاه خارج جبل لبنان الجنوبي وأضعفه في جبل لبنان الشمالي، وبالتالي تحول من "زعيم المسيحيين في لبنان والمشرق" إلى "زعيم" "متقدم بين متساويين" من الزعماء المسيحيين الملتحقين بسوريا.

أما مرد هذا التحول في التعاطي مع الحالة العونية فيعود إلى سبيين رئيسيين:

السبب الأول:
عائد إلى التراجع في شعبية عون، هذا التراجع الذي تدل كل مؤشراته بأنه مستمر وغير ممكن إيقافه لجملة أسباب موضوعية (الازدياد المتوصل لرقعة الاعتراض المسيحية على مواقف عون وتحالفاته وسلوكه وخياراته)، وذاتية (بداية تفكك داخل إطاره التنظيمي وعدم قدرته على استنهاض الحالة العونية مجددا)، وبالتالي إن وضع كل اللاعبين المسيحيين المؤيدين لسوريا في "سلة عون" سيؤدي إما إلى هزيمة كل هذه القوى المسيحية المتحالفة معها دفعة واحدة، وإما إلى ابتعاد هذه القوى عنها (أي سوريا) لاستعادة حضورها المحلي بعدما تحول عون عبئا عليها، أو إعادة سوريا الاعتبار لهذه القوى المناطقية وغيرها بمعزل عن عون.

وعليه، لم يكن أمام سوريا سوى اعتماد الخيار الثالث كي لا تخسر سليمان فرنجيه وايلي سكاف وربما الرئيس ميشال سليمان والنائب ميشال المر وغيرهم من الشخصيات المسيحية المستقلة، مما يعني بأن التفويض السوري-الحزباللهي لعون انتهى، حيث أن الحد من خسائرهما فرض عليهما إعادة الاعتبار للزعمات المحلية على حساب عون، بغية إبقاء "تلوينة" مسيحية متحالفة معهما.

السبب الثاني:
ناجم عن ضعف حزب الله نفسه، هذا الضعف الذي ينعكس تلقائيا وحكما على عون الذي تمكن بواسطة حزب الله وسلاحه من الحفاظ على تمثيله النيابي وتحسين شروط مشاركته الوزارية ومحاولة إقناع المسيحيين بأن سلاح الحزب هو "الـضمانة" لوجودهم. قد لا يكون ضعف حزب الله "مرئيا" في هذه اللحظة بالذات، ولكن لا ينبغي إطلاقا التغاضي عن جملة مؤشرات تبدأ من "الحشرة" الإقليمية، أي من الملف النووي الإيراني إلى استراتيجية السلام الأميركية وعزم هذه الإدارة على تحقيق السلام الفلسطيني-الإسرائيلي، ولا تنتهي بحالة الفساد الضاربة في جسم حزب الله وفي غياب الحماس داخل بيئة الحزب لسياساته التي قد تجرهم إلى حروب مدمرة هم في غنى عنها. هذا لا يعني تخليا من هذه البيئة عن الحزب، إنما هي جزء لا يتجزأ من رغبتهم في إعادة النظر بالتفويض المعطى من قبلهم لحزب الله، أي من تفويض مطلق إلى تفويض محدد بالزمان والمكان، وهذا ما سيؤدي حكما إلى تقييد حركة الحزب ومستقبلا خياراته. ولعله لا يجوز تبسيط أو تكبير تمرد العائلات الشيعية على الثنائية الحزبية في الانتخابات البلدية، إنما رغبة الأهالي اليوم في استعادة تمثيلهم المحلي من قبضة هذه الثنائية ما هي سوى بداية لاستعادة تمثيلهم على المستوى الوطني.

لعل الخاسر الأكبر من الانتخابات البلدية هو الجنرال ميشال عون، لأن هذه الانتخابات أكدت انحسار تياره وتخليا من سوريا وحزب الله عنه، فالخدمات التي كان يعول عليه تقديمها لهما أعادا توزيعها على سائر حلفائهما من المسيحيين، وهذا ما يدفع إلى القول بأن ما قبل الاستحقاق البلدي بالنسبة إلى عون هو غير ما بعده بالتأكيد. ومن هذا المنطلق بالذات حاول حزب الله تأجيل الاستحقاق البلدي تهربا من الامتحان الشعبي في الوسطين المسيحي والشيعي، حيث رسب هو وحليفه العوني.

المركز اللبناني للمعلومات
دراسات وابحاث

خبر عاجل