الهوى جنوني
ماذا حصل في الرحلة التثقيفية "الالهية" التي لجأ حزب الله لتنظيمها بأسلوب الخديعة لطلاب الجامعة اليسوعية؟
احد الطلاب المشاركين يروي فصول الخديعة تحت عنوان " الهوى جنوبي"
هم مجموعة طلاب، معظمهم من الجامعة اليسوعية في بيروت، اطلقوا على انفسهم اسم "الهوى جنوبي" وقاموا بتنظيم الرحلة السنوية الثالثة الى جنوب لبنان، فكانت الخديعة، وكان الجنون…
التجمع كان في موقف سيارات اليسوعية، يوم الاحد 16 ايار 2010 ، شباب وصبايا من جميع الاحزاب والتيارات، غالبيتهم من حزب الله، يليه التيار الوطني الحر، فالقوات اللبنانية، التي شارك عدد من مناصريها، ليتعرّفوا الى الجنوب بجماله وحكاياته…
الانطلاق كان من طريق الشام – السوديكو، باتجاه النبطية. التنظيم كان رائعاً، لكل راكب علبة فطوره، وراحة يُشهد لها. على الطريق، كانت اغاني جوليا طاغية على جو الحافلات الاحدى عشر… الاحاديث باغلبيتها كانت عن الجنوب، بعاداته وتقاليده ولهجاته وطريقة العيش خصوصا بعد حرب تموز.
في البداية، قال لنا المنظمون انهم يحضّرون لنا مفاجاة. وهي فعلا كانت مفاجاة مفاجِئة للجميع! تعتيم على مستوى المعلومات، لا تفسيرات ولا ايضاحات، فقط عنصر المباغتة، الغش والتحايل كان مسيطراً، هذا ما اكتشفناه لاحقا!
وصلنا الى مكان ما لا نعرفه. فطلبوا من الجميع الترجّل من الحافلات. ولضرورات امنية، اصروا على ان نترك اجهزة الخليوي وآلات التصوير في الحافلات، وهنا بدأت التساؤلات حول الجهة التي سيسلكها "الحجاج" الذين اتوا الى الجنوب للتعرف اليه، وإذ بهم ينـزلون بداية من الحافلات وهم عزّل، ثم طلبوا منا السير في طريق معينة، طبعاً وباستمرار في جو غريب من التعتيم والسرية المطلقة. وبدانا نتساءل: هل سنرى مناورة لحزب الله؟ هل سيكون هناك اجتماع بأحد قياديي الحزب البارزين؟

إستنفار للجيش الإسرائيلي على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية
مشينا ومشينا شبانا وصبايا مسافة ثلاثة كيلومترات نحو المجهول، حيث لا مكان للعودة بحكم عدم معرفتنا بالطريق، ووصلنا بعد نحو الساعة الى مكان داخل الاحراج، يغُص بمسلحين يرتدون ثياب الجيش اللبناني، ويرسمون على وجوههم تمويهات عسكرية، بينما احاطت بنا عشرات الاعلام لحزب الله، كانت معلقة على الاشجار بعصي طويلة. وبعدما زودونا بالمياه فوجئنا بآليات عسكرية من راجمات وملالات وناقلات جند، تتجه صوبنا، اضافة الى نحو 50 مسلحاً، يتغلغلون بين الشباب والشابات المراهقات، والغريب اننا فوجئنا ايضا انهم سمحوا لبعض الصحافيين المشاركة بهذا "الحدث". وفجأة توجه الينا احدهم بأمر صارم، بان ممنوع تصوير وجوه احد من القادة العسكريين. وبعدما تقدم بالاعتذار لانهم اجبروا الشباب على السير لمسافة طويلة وشاقة، قال ان الهدف هو مشاطرة "المجاهدين" بقسوة الطرقات التي سلكوها وهم مدججين بالسلاح والعتاد اثناء حرب تموز لتحرير الارض من الاحتلال الاسرائيلي!!
وبعدما علمنا اننا في جبل الريحان، حيث احد المواقع العسكرية للحزب، بدأت تساؤلات المشاركين في الرحلة تتزايد، وبدا الامتعاض يسري بين صفوفنا. فسأل زميل لنا: لشو تربيح الجميلة؟ ومن قال اننا نريد السير على خطاهم؟ ووصل الغضب ببعض المشاركين المسيحيين، الى السخرية من احد نواب الامة ( المقصود نبيل نقولا) اذ شبه المسيرة بطريق الجلجلة، والمسيح هو اول شهيد تماما مثل عماد مغنية (سفر نقولا 2010)!

كلمة "صهيونية" باللغة العبرية كتبها حزب الله
طبعاً، وخلال خطبة "تربيح الجميلة" تلك، تعمّد من كان يلقي فينا خطاب المقاوم، ان يتكلم عن الاشلاء، وعن مجاهد سار على الثلج اياماً، حتى ضاق به حذاءه، فخلعه واكمل المسيرة، لينسلخ لحم قدميه عن عظامهما، جاعلاً من الثلج غذاءه لايام عدة… كل ذلك وكانت حدة التسائلات والغضب تتصاعد بيننا، وبدانا نتهامس تحت انظار الخطيب العظيم، عن السبب الحقيقي الذي يكمن وراء ترداد خبرية المقاوم والثلج، وهنا بدا الخوف فعلا يتسلل بقوة الى قلوب البعض، اذ تخوفوا ان يعمد عناصر حزب الله، الى الزامنا بأكل الثلج مثلا والسير بعد مسافات اطول، لنتضامن فعلا مع "المجاهدين" …
وبدا التململ واضحا ينتشر بيننا، واعلنا لهؤلاء رفضنا لهذه "المفاجاة"، وطلبنا بالعودة الفورية الى بيروت، خصوصا ان موعد الغذاء قد تأخر، وكنا لا نزال من دون طعام، وفيما كان من المقرر ان تكون المرحلة الثانية من الرحلة الى منطقة وادي الحجير، الغينا هذه المرحلة، وانطلقت القافلات الى احد المطاعم حيث كانت وجبة الغذاء.

الطلاب يحملون أعلام الأحزاب و علم لبنان يتوجهون نحو الكلمة لتفكيكها
اراد الكثر العودة الى بيروت، لكن القافلات لم تلب الطلب، فتوجهت بنا وعنوة، الى مارون الراس، فبوابة فاطمة بمحاذاة الحدود الاسرائيلية… وهنا أتحفنا بعض القيمين، من ان هدف الرحلة تثقيفي، ولم يتوان عن توجيه الاهانات للجيش اللبناني واصفا اياه بـ"الديكور"، ما اثار غضب أحد الطلاب، الذي قال له ان الجيش خط احمر، الامر الذي لم يعجب عنصر حزب الله، فحصل تلاسن حاد بينهما، كاد يتطور الى عراك، الى ان تدخل احد المنظمين وحاول تلطيف كلام رفيقه قائلاً بانه قصد ان لا قدرة للجيش على مهاجمة اسرائيل…
بدا المساء يهبط وهنا بدات المرحلة الاخيرة الاكثر اثارة للجدل!!!
طلب منظمو الرحلة منا الانفصال عن الشابات، والتوجه نزولاً الى منحدر خطر ، تمهيدا للوصول الى مكان كُتب عليه "صهيونية" بالعبرية، ويبعد نحو مئة متر عن الحدود الاسرائيلية، وفهمنا لاحقا ان الهدف كان احراق تلك اللوحة. هنا بدا التمرد، اذ رفض غالبيتنا النزول الى المنحدر، خوفا من خطورة المكان، ومن الجيش الاسرائيلي الذي تأهب ما ان رانا، وبدا بتسيير دوريات سيّارة، فخشينا من ردة فعله اذا ما استفزيناه بحرق اسم بلاده وهويته. وهنا ايضا ازداد غضبنا من هؤلاء المنظمين الذين امعنوا في خداعنا، وكدنا ان ندفع الثمن من حياتنا، حين طلبوا منا النـزول الى مكان خطر، من دون تزويدنا بمعلومات كافية عن السبب.
وبعد انتظار طال نحو الساعتين، الى حين انتهى الجميع من "زيارة يافطة اليهود تحت ظلال عشرات الاعلام الايرانية، ووسط غضب عارم من المشاركين، عادت بنا القافلات الى بيروت، وسط شبه اجماع بعدم العودة من جديد، وعدم المشاركة في اي رحلة مشابهة… وفي طريق العودة، وعندما اردنا ان نموه قليلا من خلال الاستماع الى الموسيقى، تصدى لنا المنظمون وفرضوا علينا الاستماع الى اغاني حزب الله او جوليا بطرس واما … السكوت التام! الا اننا رفضنا الانصياع "للفتوى" الجديدة، وبدانا بالغناء على مزاجنا، لكن مزاجنا الوطني كان في أسوأ أحواله، من اناس فرضوا علينا بقوة السلاح، رحلة سلب علنية للحرية.
في نهاية النهار كنا جميعا في حال الصدمة، اذ، شكلت رحلة "الهوى جنوبي" حال ثورة للمشاركين فيها، وندمنا على ذلك، وفوجئنا بطريقة تعاطيهم معنا، ولمسنا هذه المرة لمس اليد، مدى خطورة وجنون حزب، يلجأ الى الخديعة لتحويل رحلة عادية الى رحلة حزبية محفوفة بالمخاطر، غير ابه بحياة نحو 500 طالب، هدفه استفزاز الجيش الاسرائيلي، ومربحاً الجميل لعمل مسلحيه، وساخراً من دور الجيش اللبناني، ومن عقول الطلاب…