#adsense

الحيوية الديبلوماسيّة لا يوقفها بعض النكد

حجم الخط

ضرورة حيوية لتجاوز حالة "الشلل النصفي" للمؤسسات ولمواجهة التحديات الخارجية
الحيوية الديبلوماسيّة لا يوقفها بعض النكد

"الحيويّة الديبلوماسيّة" ضرورة "رئويّة" في كل البلدان، غير أنّها ترتدي أهميّة إستثنائية بالنسبة إلى البلدان الصغيرة. إنكار هذه الأهميّة الإستثنائية يعادل إنكار حقّ البلدان الصغيرة في التشكّل كدول تامّة متساويّة مع غيرها في إطار المنظومة الدوليّة وأمام القانون الدوليّ.

يشكّل لبنان مختبراً حقيقيّاً لهذه القاعدة. فمنذ انتهاء مرحلة الإنتداب الفرنسيّ، يدرك هذا الوطن أن "الحيويّة الديبلوماسيّة" المتوازنة والمنفتحة ليست تحسيناً بروتوكوليّاً لوجه الدولة، إنّما هي شرط ضروريّ للإستقلال والإستقرار والإزدهار، وانعكاس حقيقيّ للمستوى المحقّق من الوحدة الكيانيّة، وتذكير يوميّ بما ينبغي بذله، على الصعيد الداخليّ بشكل أساسيّ، لتوسيع نطاق هذه الوحدة الكيانيّة وترسيخ دعائمها.

في الوقت نفسه، كان على "الحيويّة الديبلوماسيّة" أن تراكم تجربتها في تاريخ البلد، في مواجهة اتجاهين يعترضانها، ويرتبطان بعناوين ومشاريع متبدّلة بحسب الحقبة وشكل الصراع. كان هناك دائماً إتجاه يريد أن يعطي الغلبة لـ"الحيويّة الديبلوماسيّة" على حساب طابعها المتوازن والمنفتح، والآخذ بعين الإعتبار لمحدّدات المشهد الداخليّ الأساسيّة، كما لمحدّدات المجتمع الدوليّ والقانون الدوليّ الأساسيّة. وكان هناك في المقابل إتجاه يريد أن يستنزف هذه "الحيويّة الديبلوماسيّة"، بل يعتبر أنّها تحت الشبهة دائماً وأبداً. وهذا الإتجاه يمكن تسميته بـ"رُهاب الديبلوماسيّة".

في السنوات الأخيرة، صار كل دعاة "الحيويّة الديبلوماسيّة" في لبنان من المقتنعين بقيامها على أساس يعكس التوازنات الداخليّة، أو أقلّه، هدف إنضاج التوازنات الداخليّة. لأجل ذلك، ما عادت "الحيويّة الديبلوماسيّة" تواجه إلا ذاك الإتجاه الذي لا يريد للبنان أن يعرف ديبلوماسيّة تميّزه، وتعكس شخصيّته الوطنيّة، وتعبّر عن التحدّيات التي يجتازها. يمكن القول، أنّ "رُهاب الديبلوماسيّة" تنامى في سنوات الأزمة الأخيرة، واتخذ أبعاداً كاريكاتوريّة غير مسبوقة.

وأوّل ما يعّرف "رُهاب الديبلوماسيّة" كما يعبّر عن نفسه سواء عشيّة زيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان أو رئيس الحكومة سعد الحريري إلى واشنطن، هو "ثقافة النَكَد" التي تسارع إليها بعض المنابر، أو بعض "المنبريّين" في قوى 8 آذار.

والنكد عشوائيّ هنا. لا يبحث عن الحدّ الأدنى من الإنسجام المنطقيّ، ولا عن الحدّ الأدنى من الإقناع. لا ينقل تخوّفاً، ولا يليق به حتى تسميته بأنّه "ضغط" لأهداف سياسيّة. إنّه يكاد يكون نكداً صافياً.. نكداً وحسب. نكد من أجل النكد. هذا لولا أنّه يعكس ما هو أخطر من ذلك: فكما قلنا، إنكار حقّ الدول الصغيرة في أن تكون لها ديبلوماسيّة ناشطة يعادل إنكار حقّ هذه الدول في أن يكون لها حيثيّة تامّة وعاديّة، وبالتالي إنكار حقّها في الكلام وفي الوجود.

والنكد، الذي يدأب عليه بعض وجوه "المعارضة السابقة" عندنا، عشية كل حركة ديبلوماسيّة من وإلى لبنان، لا يزال جزءاً من واقع مركّب، واقع محكوم بمعادلة الإستقرار اليوميّ، الإستقرار يوماً بيوم، وبتجميد العناوين المركزية للتوتّر على الساحة اللبنانيّة، بانتظار بعض الوضوح في المشهد المحيط، مشهد المنطقة. إنّه واقع محكوم، بمعادلة نصف شلل المؤسسات الدستوريّة، علماً أنّ الحراك الديبلوماسيّ، وخصوصاً في سفرات الرئيسين سليمان والحريريّ، يصب عملياً ومعنوياً في إطار تجاوز حالة الشلل النصفيّ هذه، ونقل الإستقرار من مستوى الإستقرار اليوميّ إلى مستوى أكثر تماسكاً ومناعة داخلياً وخارجياً.

لقد أضحى الحراك الديبلوماسيّ على مستوى الرئاسات بمثابة واجب وطنيّ مزدوج، أولاً لتجاوز حالة الشلل النصفيّ في الحكومة والمؤسّسات، بإتجاه ما من شأنه تحصين تجربة الوحدة الوطنية الحكومية وتشجيع إمكان ترجمتها العملية الايجابية، وثانياً، وسط كل ما تعيشه المنطقة من تقلّبات من المبكر تقدير الإتجاه الذي ستؤول إليه. أمام هذه التحديات، من الضرورة أن يبقى البلد قادراً على إيصال وجهة نظره، وتذكير العالم وعواصم القرار بأمور واقعة لا ينبغي أن تغيب عن البال عند رسم الخطوط العريضة لسياسات المرحلة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل