السؤال الذي يجهد المسؤولون والقيادات السياسية لايجاد جواب مرضٍ له هو كيف السبيل الى انقاذ لبنان من الغرق في حرب قد تكون على الابواب، وهي – اي الحرب – من حيث المبدأ والجوهر لا تعنيه مباشرة، لكنه سيجد نفسه ساحة لها او شرارة ومنطلقاً لتصفية حسابات، نووية للبعض، ووجودية للبعض الآخر، لكن في الحالتين ستكون هذه الحرب، في حال وقوعها، سبباً في طحن لبنان حجراً وبشراً وصيغة، بصرف النظر عمّن يكون المنتصر في النهاية.
وتبسيطاً لواقع الحال والامور، وقياساً على ما كان يحصل في حروب اسرائيل السابقة على الدول العربية ومن ضمنها لبنان، لا يشكّ انسان في ان الولايات المتحدة الاميركية ومعظم دول اوروبا ان لم تكن كلها، لا تقبل بهزيمة اسرائيل في شكل يهدد وجودها وديمومتها، واذا كان لدى العرب وايران وحتى تركيا القدرة على مسح اسرائيل من الوجود، فانها في النهاية ستجد ذاتها في مواجهة اقوى القوى على الكرة الارضية التي تعلن مع شروق كل شمس انها ملتزمة بأمن اسرائيل وحمايتها، وهذا يعني ان هذه الدولة التي اغتصبت فلسطين وشرّدت شعبها وما تزال تلاحقه يومياً، قتلاً وتدميراً وتهجيراً، وشنّت حروباً متتالية على دول الجوار العربي، غير مسموح ان تموت، على أقلّه في المدى المنظور والى وقت تتغيّر فيه المعادلات وموازين القوى عربياً ودولياً، كما انه، على ما يبدو، غير مسموح لاسرائيل سوى استعمال قوّتها التدميرية الكبيرة لترهيب الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الاخرى بهدف فرض الحلول التي تصبّ أولاً وأخيراً في مصلحة اسرائيل.
هذا الكلام ليس للتيئيس والاحباط، بل هو نقل للواقع المؤسف المفجع الذي تعيشه الدول العربية التي لم تستطع بعد اثنتين وستين سنة على قيام اسرائيل تحقيق التوازن العسكري معها، واذا كان الغاء اسرائيل من الوجود ممنوعاً دولياً، فان التوازن العسكري كان يمكن ان يلعب دوراً مؤثراً في التوصل الى حلول تحفظ فيها حقوق الفلسطينيين في دولة سيدة تلمّ شمل ابنائها، وكانت اسرائيل تعدّ للمئة قبل ان تعتدي على اي دولة عربية.
من هذا الواقع، يمكن تسليط الضوء على تجربة حزب الله في اطلاق المقاومة الاسلامية واعتماد ما يسمّى بحرب العصابات او الحرب الشعبية، والتي اجبرت اسرائيل في العام 2000 على الانسحاب من الاراضي اللبنانية مع استمرار احتلالها لمزارع شبعا التي ما تزال دولياً خارج نطاق الـ 425، وكان من واجب الحكومة اللبنانية يومها بالتوافق مع حزب الله، اعادة النظر في هيكلية وتركيبة قواها المسلّحة، مستفيدة من تجربة المقاومة الاسلامية، واعتماد خيار آخر غير الخيار الكلاسيكي للحروب، وكانت الدولة بهذا الاسلوب القتالي الذي اثبت فاعليته، تمكنت من استعادة هيبتها وقرارها، ونزعت الذرائع من يد اسرائيل والمجتمع الدولي، دون ان تخسر قدرات المقاومة وامكاناتها المربوطة بالقرار السياسي الشرعي.
على الرغم من ان الرئيس السوري بشّار الأسد، بدا مرتاحاً ومطمئناً حيال التهديدات الاسرائيلية، عندما قال امام المشاركين في مؤتمر «العروبة والمستقبل» «ان علينا ان نقلق اذا صمت الاسرائيليون وليس اذا هدّدوا»، الاّ ان هذا القول لم يلغ قلق اللبنانيين، ليس بسبب ما تعلنه اسرائيل، بل بسبب ما ينقله الينا من يعتبرون انفسهم اصدقاء للبنان فيحذّرون من اندلاع الحرب فجأة انطلاقاً من لبنان لتشمل سوريا وايران ان هما سارعتا الى مساعدته ونجدته، والمؤسف ان البعض في لبنان وبعض الدول الاخرى، يتعاملون مع امكانية نشوب حرب بكثير من البساطة والاستسهال، بحيث يؤكد الايرانيون ويوافقهم فريق في لبنان، انه اذا اقدمت اسرائيل على حماقة الحرب فستكون نهايتها، او يقول اخرون انها ستتألم كثيراً، والسؤال الذي يطرحه اللبنانيون البسطاء، في وجه هذا النوع من التبسيط، الى متى توفرون هذه القوة القادرة على استئصال اسرائيل من الجسم العربي وإراحة هذا الشرق منها؟ اما اذا كان الهدف رفع معنويات الخائفين من حرب قد تقضي على بلدهم، فحرام «تبليع» هؤلاء الناس احلاماً يصعب تحقيقها او ربما يستحيل في ظل المعادلات القائمة، ويصبح من الضروري والواجب العودة الكاملة الى احضان الدولة، وعندها فقط تثمر زيارات رئيس البلاد العماد ميشال سليمان الى دول العالم، وتنجح تنقلات رئيس الحكومة سعد الحريري المكوكية، سعياً وراء دعم وتطمين، لأن توازن الرعب لا يمكن ان يحلّ محل توازن القوّة.