وزير الثقافة يدقّ ناقوس الخطر ويطلب مساعدة رئيس الجمهورية والبطريرك الماروني…”الأونيسكو” تهدّد بإسقاط وادي قنوبين من لائحة التراث العالمي

كتبت مي عبود ابي عقل في "النهار": التعديات والمخالفات بلغت حدا خطيرا في وادي قاديشا، الامر الذي جعل "مركز التراث العالمي" التابع لمنظمة "الاونيسكو" ينبه من ادراجه في "لائحة المواقع المهددة بالخطر" وهي الخطوة الاولى التي تسبق اسقاطه من "لائحة التراث العالمي".

وزير الثقافة
وهذا ما دفع وزير الثقافة سليم وردة الى دق ناقوس الخطر وتوجيه كتابين الى رئيس الجمهورية ميشال سليمان والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير طالبا مساعدتهما في الحفاظ على هذا الارث الذي يخص الانسانية جمعاء، والعمل بسرعة لتدارك الامور واتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة تدهور الوضع، وتصحيح الاوضاع للحفاظ على قيمة الوادي العالمية وتفادي ادراجه في "لائحة المواقع المهددة بالخطر"، رغم المحاولات والجهود العديدة التي بذلتها الوزارة والمديرية العامة للآثار للحد من المخالفات والتعديات ولكن من دون التوصل الى نتيجة ايجابية بسبب عدم استجابة الجهات المعنية كون دور الوزارة رقابيا وتنسيقيا وليس مباشرا لانها لا تملك الموقع. ووجه كتابا آخر الى وزير الداخلية زياد بارود طالبا اعطاء توجيهاته لمعالجة المخالفات وازالتها بموجب الكتب العديدة التي سبق ان وجهتها وزارة الثقافة على مدى السنوات الفائتة من دون طائل.

واكد وردة لـ"النهار"، "تجاوب الرئيس سليمان وتشجيعه ودعمه لكل ما يؤدي الى المحافظة على هذا الموقع العالمي وحمايته، وعلى ضرورة قيام الجهات المعنية العامة والخاصة بواجباتها في هذا الاطار، اضافة الى اهمية استنهاض المجتمع المدني".
واطلق وزير الثقافة "صرخة تنبيه ونداء تحذيريا الى الجميع ليتحمل كل طرف مسؤوليته، لان هذا الامر يعني اللبنانيين كافة رسميين ومواطنين واكليريكيين. التعديات والمخالفات يجب ان تتوقف نهائيا، ويجب المحافظة على الوادي وطابعه واصالته والا سنفقده ونندم حيث لا ينفع الندم".

كتب وردود
واتى هذا التحرك عقب كتاب وجهته المديرية العامة للآثار الى "مركز التراث العالمي" في اول آذار الفائت يعرض المشاكل التي يواجهها الوادي ويظهر الصعوبات التي تعانيها السلطات اللبنانية في تطبيق توصيات لجنة المتابعة لعام 2003 ومبادئ ادارة الوادي التي وضعت عام 2007 بفضل صندوق التراث العالمي. وجاء الرد من "مركز التراث العالمي" واصفا ما يحصل بـ"الامر المخيف" ومعتبرا ان "التعديات على اصالة الموقع وقدسيته تكاثرت في الفترات الاخيرة وتهدد ميزات الوادي وصفاته وخصوصيته التي اعطته القيمة العالمية المميزة التي ادت الى ادراجه في لائحة التراث العالمي"، وشدد على "الضرورة القصوى لان تضع السلطات اللبنانية خطة عمل وادارة للموقع تتضمن اطارا قانونيا وادوات مراقبة فعالة تؤمن حمايته والمحافظة عليه وحسن ادارته". واقترح "طلب مساعدة دولية لمراجعة المخطط التوجيهي ووضع خطة عمل تنفيذية، والاستعانة بخبراء دوليين في ادارة المواقع الثقافية واختصاصيين في القانون للمساعدة في دراسة تقوية الوسائل التي يمكن ان تعتمدها مديرية الآثار في المراقبة والحماية".

فوضى وفلتان
في وادي قاديشا الفوضى عارمة والامور فالتة على غاربها، وما يجري في انحائه منذ اعوام هو استباحة متمادية للقوانين، وانتهاك للحرمات الدينية والاخلاقية، وتثبيت للمخالفات وشرعنتها، وحماية لاصحاب السوابق والمال والنفوذ. فمخالفات البناء مستمرة في منطقة الحماية في الديمان، ومنزل يونان المخالف الذي كان من المفترض هدمه يضيف غرفة وخيمة على السطح، ومطعم "ابو جوزف" المخالف ايضا وسع السطيحة، ودير مار ليشع وضع على مدخله "كيوسك" حديد للبيع، وراهبات دير قنوبين يبلطن المدخل من دون اذن، ودير مار انطونيوس قزحيا شيد ايضا من دون اذن من مديرية الآثار… اضافة الى كل ذلك تنتشر المطاعم في الوادي ومن دون التزام القواعد المفروضة، واصوات الصخب والموسيقى والضجيج تملأ الوادي وتستبيح سكونه، وحفلات "شيل العرق" ومآدب الاكل والشرب ورقص الدبكة والدق على الدربكة تكاد تحوله "وادي العرايش"، وتنتصب خيم "البيك نيك" وتقام دورات التدريب على الكاراتيه، وتوزع صور السياسيين والمرشحين على مداخل الوادي الذي لم يسلم حتى من سباقات الـ ATV واطاراتها وغبائرها المؤذية، وحرق النفايات، وتتدفق المجارير كالشلالات من الاعلى الى اسفل الوادي، وغيرها الكثير الكثير من الشواذات…

انه باختصار كل شيء الا وادي القديسين وصوامع الرهبان ومحابس النساك التي حفروها بأيديهم وإيمانهم وأديرة الرهبان والراهبات التي تعبق بالصلوات والتراتيل والشموع.

المخطط العام للحماية
بعد جهود حثيثة بدأت عام 1995، قامت بها مديرية الآثار بالتعاون مع "الجمعية الدولية للنصب والمواقع"(ICOMOS) و"الجمعية الدولية لحماية الطبيعة" (IUCN) اعلنت "لجنة التراث العالمي" المنبثقة من "الاونيسكو" في ختام دورتها الثانية والعشرين المنعقدة في كانون الاول 1998 في مدينة كيوتو في اليابان ادراج "المنظر الطبيعي- الثقافي لوادي قاديشا – غابة ارز الرب" في لائحة التراث العالمي، وتبلغ مساحته 600 هكتار اي نحو 6 ملايين متر مربع اضافة الى منطقة حماية تحوط بالوادي والغابة. وذكرت ان "وادي قاديشا يقع شمال لبنان وفيه اقدم الاديرة المسيحية في العالم، وحرج ارز الرب هو على مقربة من الوادي. وتذكر القصص القديمة ان النبي سليمان اخذ منه الخشب ليبني هيكله".

وفي حينه كان على السلطات اللبنانية الالتزام بتنفيذ "المخطط العام لادارة وادي قاديشا وارز الرب" الذي انجز صيف عام 1998، وعلى اساسه اقر ادراج هذا الموقع في لائحة التراث، وتضمن الخطوط العريضة لخطة ادارة المنطقة وتأهيلها وصيانتها، وساهم في انجازه مديرية الآثار ووزارات الثقافة والبيئة والزراعة والتنظيم المدني، بالتعاون مع "جمعية الحفاظ على وادي قاديشا" ومساهمة البطريركية المارونية كون العقارات في الوادي ملك للرهبانية المارونية اللبنانية والرهبانية المريمية اللبنانية التابعتين لها. وبما ان الوادي مصنف ايضا موقعا ثقافيا وطبيعيا ووطنيا بموجب مراسيم وزارية صدرت عامي 1995 و1997 اعطيت وزارتا الثقافة والبيئة حق المراقبة على المنطقة وعلى تنفيذ المخطط ومراجعة كل مشاريع الاعمار العامة والخاصة، على ان تضطلع مديرية الاثار بدور المنسق بين الهيئات المعنية باستثمار المنطقة.

ولحظ المخطط في حينه امورا عدة منها: دراسة ظاهرة جريان المياه الجوفية والمغاور والملاجئ الصخرية، واجراء اعمال ترميم في بعض الاديرة، ووضع جردة بالرسوم الجدارية، وتحديد مناطق الرعي ومنع تربية الماعز منعا باتا، واقامة حملات تشجير لانواع نباتات اصلية، ومنع قطع الاشجار والصيد، واجراء دراسة تنظيمية للوادي، وتفكيك الكسارات، ومنع رمي النفايات، وتطبيق القوانين المتعلقة بامكنة العبادة، وحفظ المباني والمواقع الاثرية، وتنظيم استثمار المطاعم، ومنع اقامة المهرجانات واستعمال المولدات التي تعمل على المازوت، والتأكد من عدم وجود اي اخطار على الوادي جراء النشاطات السياحية والعمرانية والاقتصادية وغيرها…

الداخلية لا تتدخل
لكن ايا من هذه الامور لم ينفذ، ومديرية الاثار والوزارات المعنية عاجزة عن السيطرة على الوضع. ولمحاولة الحد من الاضرار كانت تلجأ الى وزارة الداخلية والبلديات طالبة التدخل لقمع المخالفات وازالة التعديات، لكن الاجهزة التنفيذية في هذه الاخيرة كانت تتمنع، ولا حياة لمن تنادي. لا بل ظهر وكأن المخالفين مدعومون، ما شجع الجميع على تجاوز القانون واستباحته من دون اي رادع او وازع، وعلى محاولة فرض امر واقع جديد. وبعد مداخلات عدة في مجلس الوزراء من وزراء الثقافة المتتابعين، خصوصا غازي العريضي، وحملة اعلامية كبيرة لـ"النهار" انصاعت الداخلية بخجل وقامت بهدم غرفة قديمة وحائط صغير مخالفين موحية بقيامها بتطبيق القانون وفرض هيبته، وتجاهلت المخالفات الكبيرة الفاضحة والواضحة رغم كون بعض مرتكبيها من اصحاب السوابق.
من جهة ثانية زارت لبنان بعثات عدة من "الاونيسكو" ووفود من مركز التراث العالمي وجالت في وادي قنوبين على مدى الاعوام الفائتة والتقت المسؤولين والاهالي وفي كل مرة كانت تصدرعنها التوصيات ذاتها بضرورة وضع:
أ – مخطط لادارة الموقع وتنفيذه.
ب – اطار قانوني للمحافظة عليه.
ج – آلية للتعاون والتنسيق بين مختلف الاطراف.
د – ازالة المخالفات واعادة الوضع الى ما كان عليه.
هـ – اتخاذ الاجراءات المناسبة لتأمين حمايته.

الانقاذ
هذا الموقع الذي صنف منظرا ثقافيا – طبيعيا من "الاونيسكو" وادرج في لائحة التراث العالمي منذ 13 عاما اصبح اليوم مقرا وممرا للمخالفات وتجاوز القانون، اضافة الى تحوله ساحة مفتوحة لكل انواع اللهو والتسلية من بعض الرواد حيث تصدح اغنيات الفنانين واصوات الدربكة وتعلو على اصوات الاجراس وتراتيل الراهبات وصلوات الرهبان، وتمحو هدوءه وسكونه الملائكيين، وتهز عظام النساك.
هذه الحال المزرية والمستفحلة في الوادي اضافة الى الاخطار العديدة المحدقة به نتيجة عدم وضع مخطط لادارته قيد التنفيذ، وعدم احترام خصائصه وقيمته الروحية، ستؤدي الى افقاده ميزته الاساسية التي أهّلته للدخول الى لائحة التراث العالمي، وضياع دوره الاساسي كمكان للحج الديني ومقصد لاهل النسك والصلاة والرياضات الروحية والسياحة الدينية. فهل من يسمع ويتحرك وينقذه؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل