#adsense

واشنطن: التحالف مع “حزب الله” يضعف سوريا

حجم الخط

أوباما: لا تقارب مع دمشق قبل تنفيذ مطالبنا
واشنطن: التحالف مع "حزب الله" يضعف سوريا

لاحظ مسؤول غربي بارز معني بالملف اللبناني – السوري ان التطور الأبرز والأكثر دلالة في مسار العلاقة الأميركية – السورية ان التحالف الوثيق بين نظام الرئيس بشار الأسد و"حزب الله" لم يعد مصدر قوة للنظام السوري في تعامله مع إدارة الرئيس باراك أوباما، بل صار مصدر ضعف وإرباك له وربما مصدر خطر عليه. وأوضح هذا المسؤول، في جلسة خاصة عقدها في باريس مع عدد من المعنيين بشؤون الشرق الأوسط، ان النظام السوري تصرف منذ بدء حواره مع إدارة أوباما ربيع 2009 على أساس ان تحالفه الوثيق مع إيران عموماً ومع "حزب الله” خصوصاً، بأبعاده السياسية والعسكرية والأمنية، يعزز موقعه التفاوضي مع المسؤولين الأميركيين والغربيين ويدفع هؤلاء الى العمل على إرضائه وتلبية عدد من مطالبه في لبنان والمنطقة، من منطلق ان السلطة الشرعية اللبنانية عاجزة عن التأثير على القوة العسكرية المهمة التي يمثلها "حزب الله" أو على التحكم بها. وان القيادة السورية هي وحدها القادرة على لجم هذه القوة وضبطها في الوقت الملائم وحين يحصل الأسد على ما يريده من واشنطن سواء على صعيد استعادة الجولان المحتل أو على صعيد تطوير العلاقات الثنائية أو على صعيد الدور السوري في المنطقة. لكن إدارة أوباما رفضت عقد أي صفقة مع نظام الأسد تعكس موافقة ضمنية على استمرار هذه العلاقة التسلحية بينه وبين "حزب الله" إدراكاً منها ان هذه الصفقة تعزز مواقع المحور السوري – الإيراني على حساب الأنظمة والقوى العربية المعتدلة وعلى حساب لبنان المستقل السيد والدولة اللبنانية مما يشكل تهديداً جدياً للأمن والاستقرار في الساحة اللبنانية وفي المنطقة عموماً".

هذا ما أفادت به مصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الاطلاع في باريس وشددت على "ان النظام السوري أخطأ في تعامله مع إدارة أوباما، ذلك انه تعامل مع انفتاحها عليه استناداً الى ما يريده ويتمناه وليس استناداً الى حقائق الأمور. فقد تصرف على أساس ان انطلاق الحوار الأميركي – السوري ربيع 2009 يعني تلقائيا حصول تقارب جدي بين واشنطن ودمشق ويعني أن الادارة الأميركية راضية عن النظام السوري ومتفهمة أو متقبلة لسياساته ومستعدة تالياً للتعاون معه كشريك مهم في المنطقة. لكن هذا التقويم السوري خاطئ تماماً إذ لم يتم التوصل الى أي خطوات أو تفاهمات أساسية محددة بين نظام الأسد وإدارة أوباما في شأن القضايا الإقليمية المهمة العالقة بين الطرفين، بل ان الرئيس السوري اكتفى بإجراء بعض التغييرات الجزئية والشكلية في سياساته الإقليمية، وهذا ليس كافياً في نظر الأميركيين. فادارة أوباما ترى ان الحوار مع سوريا ليس نهاية المطاف بل بداية المطاف وليس معناه التقارب أو المصالحة أو التعاون معها، بل انه مجرد وسيلة لمناقشة المشكلات والخلافات العميقة بين البلدين بطريقة يفترض أن تؤدي الى معالجتها وتسويتها تدريجاً وبحيث يترافق ذلك مع تحسن في العلاقات الأميركية – السورية تدريجا".

وكشفت هذه المصادر "ان التعليمات الرسمية الصادرة من الرئيس أوباما نفسه تشدد على استبعاد أي تقارب جدي مع سوريا قبل أن ينفذ نظام الأسد مجموعة من المطالب الأميركية المحددة المقدمة اليه والمدعومة أوروبياً ومن جهات عربية بارزة وقبل أن يجري تغييرات جذرية في سياساته وتوجهاته الإقليمية وخصوصاً في ما يتصل بالعلاقة مع إيران و"حزب الله" و"حماس" وبمسار الأوضاع في لبنان والعراق وفلسطين وبالموقف من تسوية النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي. وقد حقق الحوار الأميركي – السوري حتى الآن خيبة أمل للطرفين، ذلك ان نظام الأسد أراد استغلال هذا الحوار لإضعاف الاستقلاليين اللبنانيين ولمحاولة تأمين تغطية لسياساته الإقليمية المرفوضة أميركياً وأوروبياً ومن جهات عربية بارزة، ولتحالفه الوثيق مع إيران والقوى المتشددة. وفي المقابل أرادت إدارة أوباما أن تؤكد لنظام الأسد عبر حوارها معه ان انفتاحها عليه مشروط وان المطلوب منه أن يدفع ثمناً إقليمياً لتحسين علاقاته مع واشنطن وان هذا الثمن هو الابتعاد عن معسكر التشدد والمواجهة الذي تقوده إيران ويضم خصوصاً "حزب الله" و"حماس" والتعاون الوثيق عوض ذلك مع الدول العربية المعتدلة وعلى رأسها مصر والسعودية ومع الدول الغربية البارزة وعلى رأسها أميركا من أجل تعزيز الأمن والاستقرار في عدد من الساحات الإقليمية والمساهمة في تحقيق السلام في المنطقة".

تحذير أميركي لدمشق

وقالت المصادر الأوروبية المطلعة استناداً الى المعلومات التي تلقتها من واشنطن، ان فشل إدارة أوباما في تحقيق أي تغيير ملموس في سياسات سوريا الإقليمية دفعها الى اعتماد إستراتيجية التشدد والحزم مع نظام الأسد واتخاذ الإجراءات والمواقف الأساسية الآتية:

أولا – سلطت إدارة أوباما، وبألسنة المسؤولين الكبار فيها، الأضواء بقوة، وللمرة الأولى في هذا الشكل، على العلاقة التسلحية الوثيقة القائمة بين سوريا و"حزب الله" وعلى الأخطار الناتجة من نمو هذه العلاقة واتساعها. وهذا ما جعل وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس يحذر علناً من خطورة إقدام سوريا وإيران على مواصلة إمداد "حزب الله" بالأسلحة والصواريخ ويشدد على أن الحزب "يمتلك صواريخ أكثر من معظم حكومات العالم". كما ان هذا ما جعل وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تحذر النظام السوري من أن نقله الأسلحة الى الحزب يهدد الأمن والاستقرار في لبنان والمنطقة، وهو ما دفع مساعد كلينتون لشؤون الشرق الأوسط جيفري فيلتمان الى التحذير رسمياً في الكونغرس من "العواقب الوخيمة" التي تواجهها سوريا نتيجة لذلك ومن ان الإدارة الأميركية ستستخدم كل الخيارات في التعامل مع هذا البلد.

ثانيا – اتهمت إدارة أوباما سوريا رسمياً بانتهاك قرار مجلس الأمن الرقم 1701 بإقدامها على إرسال الأسلحة الى "حزب الله" إذ ان هذا القرار الذي أنهى حرب 2006 يلزم كل الدول عدم إرسال السلاح الى أي جهة أو تنظيم في لبنان خارج السلطة الشرعية والقوات النظامية. وهذا الموقف الأميركي يترك الباب مفتوحاً أمام احتمال طرح قضية العلاقة التسلحية بين سوريا و"حزب الله" أمام مجلس الأمن واتخاذ قرار دولي في شأنها.

ثالثا – ربطت إدارة أوباما تحسين علاقاتها مع سوريا بوقف دعمها العسكري "حزب الله" وبلجم نشاطات الحزب وأعماله العسكرية مما يشكل رسالة أميركية واضحة الى الرئيس السوري مفادها ان "ورقة حزب الله" لم تعد صالحة لتعزيز موقعه التفاوضي مع واشنطن بل انها صارت تشكل عاملاً سلبياً ومصدر ضغط أميركي جدي عليه.

رابعا – طلبت إدارة أوباما من جهات أوروبية وروسية وعربية وإقليمية الاتصال مباشرة بالرئيس الأسد وتنبيهه الى المخاطر الكبرى الناتجة من إرسال الأسلحة والصواريخ المتطورة الى "حزب الله" ومن الانعكاسات السلبية لهذ العمل على مسار الأوضاع في لبنان وسوريا والمنطقة عموماً. والاتصالات التي أجراها أخيراً مسؤولون فرنسيون وغربيون ودوليون وعرب مع الأسد شخصياً تناولت هذه القضية المهمة.

خامسا – ذهبت إدارة أوباما أبعد من ذلك، إذ حذرت نظام الأسد، في اتصالات مباشرة وغير مباشرة معه، من أن سوريا تتحمل مسؤولية أي أعمال أو نشاطات عسكرية يقوم بها "حزب الله" ضد إسرائيل، فضلا عن انها تتحمل مسؤولية إقدام الحزب على استخدام السلاح مجدداً في الساحة اللبنانية الداخلية كما حصل في أيار 2008. وشددت إدارة أوباما في اتصالاتها هذه مع نظام الأسد على ان سوريا لن تكون هذه المرة بمنأى عن أي حرب جديدة لبنانية – إسرائيلية وعن تداعياتها، سواء نشبت نتيجة للمواجهة الإيرانية – الدولية بسبب مساعي إيران لانتاج السلاح النووي، ام لعرقلة المحادثات الفلسطينية – الإسرائيلية غير المباشرة، ومن أجل تعطيل عمل المحكمة الخاصة بلبنان، أم في إطار جهود إسرائيل "لحماية أمنها" من تهديدات الصواريخ المتطورة التي يملكها "حزب الله".

ووفقاً لما قاله لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع ان "إدارة أوباما، ومعها جهات أوروبية وعربية معنية بالأمر، ترى ان نظام الأسد يتحمل مسؤولية مزدوجة: فهو من جهة يؤمّن انتقال الأسلحة والصواريخ المتنوعة السورية والإيرانية الصنع الى "حزب الله" خلافاً لما ينص عليه القرار 1701، وهو من جهة ثانية ينتهك سيادة لبنان ويضعف الدولة والسلطة الشرعية ودور الجيش في هذا البلد باقامته هذه العلاقة التسلحية المباشرة مع "حزب الله" وممارسته الضغوط على عدد من الأطراف اللبنانيين لتأمين التغطية اللازمة لاحتفاظ الحزب بسلاحه وبقرار الحرب مع إسرائيل خارج سلطة الدولة، وهذا الموقف السوري ستكون له عواقب خطرة إذا ما نشبت حرب لبنانية – إسرائيلية لأي سبب من الأسباب".

الأسد والعقوبات الأميركية

في هذا السياق اتخذ الرئيس أوباما مطلع أيار الجاري قراراً بتمديد العمل بالعقوبات الأميركية المفروضة على سوريا منذ 2004 سنة جديدة أخرى. وحاول المسؤولون السوريون ان يقللوا علناً أهمية هذا القرار على أساس انه "روتيني وغير مفاجئ لهم"، لكنهم في الواقع أبدوا انزعاجاً حقيقياً منه خلال اتصالات أجروها مع الإدارة الأميركية ومع جهات أوروبية، والسبب، كما اوضح لنا مصدر ديبلوماسي أميركي مطلع، هو ان الأسد أعطى في محادثاته مع مبعوثي إدارة أوباما "الأولوية القصوى" لرفع العقوبات الأميركية عن بلده مركزاً على أن حصول ذلك سيكون "المؤشر الحقيقي الجدي" لارادة الرئيس الأميركي فعلاً تحسين علاقاته مع سوريا. واضاف المصدر الأميركي ان الأسد أثار في الأشهر الاخيرة موضوع العقوبات الأميركية جدياً خلال محادثاته مع رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي السناتور جون كيري ومع المبعوث الأميركي الخاص الى الشرق الأوسط جورج ميتشل ومع نائب وزيرة الخارجية الأميركية وليم بيرنز، وشدد على ضرورة رفعها في أقرب وقت ممكن، على أساس ان استمرار فرضها يمنع تحسين العلاقات بين أميركا وسوريا ويعرقل التعاون بين البلدين ويحبط خطط سوريا شراء طائرات متطورة فرنسية واوروبية للاستخدام المدني هي في أمسّ الحاجة إليها وينعكس سلباً على القطاع المصرفي والمالي ويحد من حجم الاستثمارات الأجنبية في بلده. لكن أوباما رفض هذا المطلب السوري الذي نقل اليه مكررا، وفقاً لمصادر ديبلوماسية أوروبية مطلعة، ان الأولوية في الحوار بين واشنطن ودمشق يجب أن تعطى لإحداث تغييرات جذرية حقيقية في سياسات سوريا الإقليمية بحيث يتبنى نظام الأسد سياسات وتوجهات جديدة بناءة وإيجابية تنسجم مع متطلبات الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة وتشمل الامتناع عن التدخل سلباً وعلى نحو خطر في شؤون عدد من الدول العربية وفي مقدمها لبنان والعراق وفلسطين، والامتناع كذلك عن التعاون الوثيق مع قوى وتنظيمات مسلحة متشددة متحالفة مع إيران. ولم يكتف أوباما بإصدار قرار بتمديد العمل بالعقوبات المفروضة على سوريا "لأن أعمالها وسياساتها تشكل تهديداً استثنائياً للأمن القومي للولايات المتحدة ولسياستها الخارجية ولاقتصادها" ولأن سوريا "تدعم تنظيمات إرهابية وتسعى الى امتلاك أسلحة دمار شامل وتطوير برامج صاروخية" على حد قول الرئيس الأميركي، بل انه حدد بوضوح في رسالته الى الكونغرس شرط رفع هذه العقوبات، اذ قال "ان أعمال دمشق وتصرفاتها ستحدد ما إذا كانت هذه العقوبات ستبقى أم لا". وهذا يعني ان المطلوب من نظام الأسد أن يتبدل أولاً ويغير سياساته الإقليمية قبل أن ترفع العقوبات الأميركية المفروضة على بلده.

ولخص ديبلوماسي أوروبي مطلع الموقف بقوله: "ان التأزم الحالي للعلاقات الأميركية – السورية المرتبط بقضية إمداد "حزب الله" بالأسلحة والصواريخ المتطورة هو نتيجة طبيعية لرفض نظام الأسد استجابة مطالب واشنطن. فقد انتهت مرحلة الأوهام والتوقعات الخاطئة وبات واضحاً ان النظام السوري بتوجهاته ومواقفه الحالية مرفوض أميركياً، وان هذا النظام يجب أن يدفع ثمناً لبنانياً وعراقياً وفلسطينياً وإيرانياً وإقليمياً كي يحصل التقارب الحقيقي بينه وبين إدارة أوباما".

المصدر:
النهار

خبر عاجل