لبنان يبقى ساحة مفتوحة للصراعات إذا لم يتم تحييده
هل لسوريا مصلحة في العودة إلى تلازم المسارات ؟
توقفت أوساط سياسية عند قول النائب وليد جنبلاط في مقاله الاسبوعي في جريدة "الانباء": "إن ما يجعل الجولة الخارجية للرئيس سعد الحريري تكتسب اهمية خاصة انها تأتي في ظرف دقيق بات يحتم اعادة الاعتبار الى تلازم المسارات بعيدا من تعابير ومصطلحات الحقبة السابقة التي شاع فيها استخدام كلمة الوصاية وما شابه، فالمصلحة الاستراتيجية والقومية تحتم التأكيد على هذا الخيار، لاسيما مع تصاعد بعض الاصوات المشبوهة التي تتحدث عن تحييد لبنان، وهو خيار مستحيل بفعل عوامل التاريخ والجغرافيا وبفعل اتفاق الطائف الذي تحدث عن العلاقات المميزة، وايضا بفعل الاجماع الوطني على اتفاق الهدنة مع اسرائيل".
الاوساط نفسها علّقت على هذا الموقف الجديد للنائب جنبلاط بالآتي:
أولاً: ان النائب جنبلاط لم يتراجع عن مواقفه السلبية من سوريا ومن سلاح "حزب الله" فحسب، بل تراجع حتى عن أفكاره التي أوردها في مقاله الاسبوعي في جريدة "الانباء" قبل انسحابه من قوى 14 آذار تحت عنوان "الحياد الايجابي مدخل لاستقرار لبنان" جاء فيه: "ان الاستقلال يبنى كل يوم بالدم، بالكلمة الحرة، بالمثابرة والنضال، بالتضامن مع الاحرار والديموقراطيين في كل العالم، من امثال ميشال كيلو ورياض الترك وسواهما في سوريا، وهو يبنى برفض الصفقات بين الدول التي تريد ان تعيد ابتلاع لبنان بشكل أو بآخر، وهو يبنى باستمرار المسيرة السلمية والهادئة والديموقراطية التي كانت ولا تزال المسار الوحيد الذي تنتهجه قوى 14 آذار، وهو يبنى ويعزز من خلال القبول بتسوية عنوانها حماية السلم الاهلي والاستقرار الداخلي. فالتسوية نابعة من الكلام الاساس للبطريرك صفير وهو التوافق على مسلّمات الحوار الوطني اي تحديد ثم ترسيم الحدود والعلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا (لم تكن قد قامت بعد) والسلاح الفلسطيني خارج ثم داخل المخيمات والمحكمة الدولية، والاستقلال يبنى مع المقاومة ومع قبولها بالاستيعاب التدريجي ضمن الجيش الوطني في مواجهة اسرائيل، وهذا الاستيعاب اذا ما تحقق سيؤدي تدريجاً الى قبول جميع الاطراف السياسيين بمبدأ الحياد الايجابي، اي ألا يكون لبنان ساحة بل دولة مثل سائر دول العالم لا يتم استخدامه لتصفية اي صراعات اقليمية او دولية على ارضه".
ويختم المقال: "ان اي صفقة تضرب المرتكزات الوطنية التي تحققت بفعل نضال ووحدة قوى 14 آذار هي خيانة، واي استسلام هو خيانة (…) لقد قامت قوى 14 آذار بخطوات مدروسة وحكيمة حققت حماية لمنجزاتها لاسيما عند المنعطفات الكبرى ولم تتخلَّ عن ثوابتها. فنضالها معمّد بالدم وأدى الى انشاء المحكمة الدولية التي ستأتي بالحقيقة والعدالة لكل شهداء ثورة الارز".
ثانيا: ان رجوع النائب جنبلاط عن مطالبته بالحياد الايجابي كمدخل لاستقرار لبنان واعتبار الاصوات التي تتحدث عن تحييد لبنان "مشبوهة لأنه خيار مستحيل بفعل عوامل التاريخ والجغرافيا" يطرح سؤالاً: أين كانت "عوامل التاريخ والجغرافيا" عندما طالب جنبلاط نفسه بالحياد الايجابي؟ هل كان صوته من الاصوات المشبوهة؟ وكيف كان يطالب باستيعاب المقاومة تدريجاً ضمن الجيش الوطني في مواجهة اسرائيل وبات الآن يطالب باخراج موضوع سلاح المقاومة من التداول… وكيف طالب بألا يكون لبنان ساحة بل دولة تستخدم لتصفية اي صراعات اقليمية او دولية على ارضه، وهو يطالب اليوم بالا يتخلى لبنان عن عوامل التاريخ والجغرافيا ليعيده ساحة لتصفية الصراعات على ارضه وليس دولة؟
ثالثا: ان ابقاء لبنان ساحة بفعل "عوامل التاريخ والجغرافيا" معناه ان يبقى اللبنانيون منقسمين بين هذا المحور وذاك، يلعب اي خارج على التناقضات في ما بينهم ليظل له القرار وليس للدولة اللبنانية، وهو ما حصل في الماضي عندما انقسم اللبنانيون بين من هم مع المحور البريطاني ومن هم مع المحور الفرنسي، وعندما انقسموا بين من هم مع المحور الناصري ومن هم ضد هذا المحور، ومن هم مع التنظيمات الفلسطينية المسلحة ومن هم ضد هذه التنظيمات، فكانت الحروب الداخلية المدمرة، ومن هم مع المحور السوري ومن هم ضد هذا المحور، ومن هم حاليا مع المحور السوري – الايراني ومن هم ضد هذا المحور، ومن هم مع الدولة اللبنانية السيدة المستقلة الحرة التي لا دولة سواها ولا سلطة غير سلطتها ولا سلاح غير سلاحها، ومن هم مع بقاء الدولة ضعيفة مشلولة معرّضة لعودة اي وصاية عليها، فلا القرار يكون قرارها ولا السلطة سلطتها على كل اراضيها.
لذلك، على اللبنانيين ان يتفقوا إما على اعتماد مبدأ الحياد الايجابي فلا يكون طرف منهم مع "شرق" وطرف آخر مع "غرب"، وإما أن يبقى لبنان ساحة وكل طرف لبناني يقف مع محور لتصبح ارض لبنان ساحة للصراعات المحلية والعربية والاقليمية والدولية.
رابعا: ان مطالبة النائب جنبلاط باعادة الاعتبار الى تلازم المسارات هي مطالبة قد لا تقبل بها مصلحة سوريا في الظرف الحاضر، خلافا لما كان عليه موقفها في الماضي عندما كانت تصر على تلازم المسارات وخصوصا المسارين اللبناني والسوري وترفض ان يحل لبنان نزاعه مع اسرائيل بمعزل عنها وهو ما سعى اليه لبنان طويلاً ولم ينجح في فصل ازمته عن ازمة المنطقة، حتى ان اسرائيل لم تكن مع فصل المسارات، بدليل انها عندما توصلت الى اتفاق 17 ايار مع لبنان اشترطت في اللحظة الاخيرة ان يتزامن انسحاب قواتها من الجنوب مع انسحاب القوات السورية من لبنان، فكان هذا الشرط السبب الاساسي لالغاء ذاك الاتفاق.
الواقع، ان للبنان اليوم مصلحة في ان يكون مساره متلازماً والمسار السوري، ولكن هل لسوريا اليوم، خلافا للماضي، مصلحة في ذلك؟ فلو ان لسوريا مصلحة في تلازم المسارات وتحديداً المسار السوري والمسار اللبناني، لما كانت ذهبت بمفردها الى مفاوضات مباشرة او غير مباشرة مع اسرائيل، بل كانت ذهبت مع لبنان لحل مشكلة مزارع شبعا مع مشكلة الجولان ولما كانت تركت لبنان يضع وحده استراتيجية دفاعية تحدد دور الجيش والمقاومة فيها ويثير ذلك جدلا عقيماً بين الزعماء اللبنانيين، بل كانت طلبت إشراكها في وضع هذه الاستراتيجية تطبيقا لمقولة "أمن لبنان من أمن سوريا، وأمن سوريا من أمن لبنان"، ولما نص عليه اتفاق الطائف واتفاق الامن والدفاع المعقود بين لبنان وسوريا والذي يشكل مضمونه جزءا مهما من الاستراتيجية الدفاعية المطلوبة.
إن الجواب عن العودة الى تلازم المسارات ليس عند لبنان بقدر ما هو عند سوريا، فاذا كان موقفها ايجابيا، فان الجدل حول سلاح "حزب الله" ودوره وحول الاستراتيجية الدفاعية يتوقف بعد الاستماع الى رأي سوريا في الموضوع.