ملفتة كانت تعليقات وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي على مشروع قانون العقوبات ضد بلاده يا إخوان، حيث قال حرفياً "إن هذا الطبق الجديد الذي أعدّوه لا يُقدّم في الوقت المناسب، فالضيوف تناولوا بالفعل طعام الغداء".
وما يقصده الوزير متكي، هو أن الأميركيين ضيّعوا فرصة العقوبات وسبقتهم إيران الى إلغاء مبرراتها، علماً أن الأمر لا يبدو كذلك، أو هكذا يقول المنطق بعد تقديم مشروع العقوبات بالفعل الى مجلس الأمن.. والنتيجة على أي حال، متروكة للأيام الآتية حيث دخل النزال مرحلة الحسم كما كتب زميلنا أسعد حيدر.
لكن الحاصل هو أن كلام الوزير الإيراني عن الفرصة الضائعة، يضيء الذاكرة ويعيدها الى العام 1988، أي العام الذي وافقت فيه طهران على وقف الحرب مع العراق أخيراً.. إذ قبل ذلك بسنوات قليلة وتحديداً في العامين 1983 و1984 كانت الجهود العربية والإسلامية قد وصلت في حراكها الى نقطة قصوى في السعي لإقناع الإيرانيين بسلة مقترحات ترضيهم لوقف المذبحة التي كانت دائرة.. وكانت تلك السلة الصفقة تتضمن (وآمل أن لا أكون مخطئاً) عودة الوضع الى ما كان عليه قبل اندلاع الحرب وتعويض مالي يقارب المئتي مليار دولار (في سعر صرف ذلك الزمان) وغير هذا من مغريات افترض واضعوها أنها كافية لإقناع الجمهورية الإسلامية المعتدى عليها بحقن دماء المسلمين.
لم تقبل طهران كل تلك العروض، وكل الجهود الجبّارة التي بُذلت وشارك في جزء أساسي منها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، بل ظلّت على موقفها الى أن عادت الدفّة ميدانياً لتميل من جديد لصالح العراقيين وبقيت كذلك حتى "إقتنع" الإيرانيون أخيراً بوقف الحرب، ولكن من دون أن يقبضوا أي ثمن أو تعويض أو اعتذار.. بل يتذكر الجميع كيف خرج صدام حسين ليحتفل بانتصاره ويطلق جملته الشهيرة "يا محلى النصر بعون الله".
أربع أو خمس سنوات إضافية من تلك الحرب كلّفت البلدين خسائر مهولة بشرياً واقتصادياً ضاعت هباء، وحرمت الإيرانيين من فرصة إنهاء الحرب "بشيء من التعادل"، إذا صحّ التعبير، لكن ذلك لم يتم!
تتكرر الرواية هذه المرة في الموضوع النووي حيث صار الجميع يعرف أن ما وافقت عليه طهران بالأمس، كان معروضاً عليها أكثر من مرة في السنوات القليلة الماضية، بل إن أحد العروض الأكثر جدية، كان يتضمن "إعترافاً" غربياً بدور إقليمي لإيران، وبرفع العقوبات الاقتصادية، وإلغاء تجميد الأموال في بنوك الولايات المتحدة ودفعها مع فوائدها (نتحدث عن مبالغ طائلة)، إضافة الى التعهّد (الفرنسي تحديداً) ببناء مفاعلات نووية لأغراض سلمية داخل إيران، وغير ذلك من مغريات تهم الإيرانيين، ولا زلت أتذكر أن وزير الخارجية البريطاني الأسبق جاك سترو وصف رفض طهران لتلك السلة الصفقة بـ"الوقح". وبقي التعليق عالقاً في الذهن لغرابته على اللغة الديبلوماسية عموماً والبريطانية خصوصاً.
.. على من ضاعت الفرصة اليوم؟ وكم ستتكلّف المنطقة والعالم من أثمان، قبل أن يقتنع من يريد أن يقتنع أن مشاريع الإمبراطوريات الأكبر من حجم أصحابها وقدراتهم ليست في النتيجة إلا دعوة مفتوحة لخراب شامل لا يوفّر أحداً؟!