ليس لبنان البلد العربي الوحيد المرتبط بمواثيق واتفاقات انشاء جامعة الدول العربية والدفاع المشترك وسواها من معاهدات كي تكون مفاهيم العروبة بين سوريا ولبنان غير ما هي عليه بين بلد عربي وسوريا او بلد عربي واخر، ومع ذلك فاننا لا نزال الى الان لا نفهم هذه الحتمية التي تصور لنا الامر وكأن لبنان وحده مقيد بالعروبة ودمشق وحدها هي التي تمر عبرها العروبة، فيما العالم العربي واسع وفسيح ولبنان عليه واجب التواصل والاتصال مع كافة اشقائه وليس اختصار ذلك بسوريا – مع الاحترام للشعب السوري ولسوريا كدولة وتاريخ.
فلا نفهم هذه الحتمية التي تصور لبنان دائما وهو المستجدي والناظر الى سوريا بما يكرس سواء بحسن نية او بسوء نية التزوير التاريخي الكبير الذي يعتبر لبنان ملحقا بمحيطه القريب المباشر تحت شعارات لطالما الفناها من اصحاب التنظير العقائدي المنادي بسوريا الكبرى والقومية العربية وسواها من شعارات – اظهرت الايام والسنوات مدى جوفها حتى من ضمن علاقات الشعوب التي تدعي النظريات تلك شمولها بها.
طبعا اننا لا نتنكر ابدا لضرورة قيام افضل العلاقات بين لبنان وسوريا التي تحكمها وقائع الجغرافيا والاقتصاد واعتبارات الاخوة وحسن الجوار، لكن لا نرى ان الاخذ بهذه العوامل يجب ان يتم على حساب سيادة واستقلال وحرية اي من البلدين لحساب الاخر – وهنا ما ندعو الاخوة السوريين الى مناقشتنا عليه كي نستطيع تبيان الخيط الرفيع القائم بين الاخوة والاخضاع او بين العلاقات المميزة والتبعية.
لا نرى داعيا للاخذ دائما – حين نتكلم عن العلاقات الثنائية – بهذا التوجه الذي يكاد كل مرة ينقض اسس العلاقات حتى بين الاخوة – الا وهو اعتبار لبنان دائما – وباسم العلاقات الثنائية المميزة تابعا او بانتظار كلمة السر في كل شاردة وواردة تأتي من دمشق كي يستطيع التصرف او اتخاذ المواقف او حتى تحديد سفر مسؤوليه الى عاصمة عالمية او اقليمية او سواها.
ان هذه الحالة "المكربجة " بين البلدين وفي التفكير السائد بين البلدين في نظرة كل واحد للاخر تجاهه لا تساهم ولن تساهم في ترميم العلاقات بينهما ما لم يقتنع كل فريق بان من حق الفريق الاخر التمتع بمقومات السيادة والاستقلال والحرية في تحديد مصيره والعمل على ما يدعم ويعزز مصالحه، من دون ان يعني هذا بالضرورة – كما عند المتحجرين فكريا -وجود تأمر او مخططات مناهضة ضد الفريق الاخر. فالجيرة واواصرها المتينة بين عائلتين لا تمنع تمتع كل عائلة من ضمن بيتها بحد ادنى من الخصوصية ولا تعني استباحة العلاقات الى حد السماح للجار بانتهاك حرمة جاره في اي وقت تحت ستار حفظ حقوقه على الاخر وليس من الاخر او تحت ستار الخوف من الاخرين … لان الاخذ بهذه النظريات الجوفاء من شأنه ان ينقض حتى ابسط قواعد العلاقات الاجتماعية والانسانية القائمة على الاحترام للاخر – حتى للشقيق وللام وللوالد وللابن او البنت – وليس على مستوى الدول فقط.
كما ان الاخوة التي تبيح ان يضحي – احيانا ومن ضمن معايير وامكانات محددة بعض الوقت – الشقيق من اجل شقيقه – لا تعني على الدوام ان تكون التضخية واجبا مستمرا لا حدود له – اذ ان من حق الشقيق المساعد ايضا ان يهتم باموره ويتبع مصالحه في مكان ما وظروف ما.
فالاخوة لا تعني استعباد شقيق لشقيقه …
والجيرة لا تعني ان تبيح للجار في اي وقت استباحة حرمة جاره …
والقومية العربية لا تعني ارغام المصري على التنازل عن مصريته ولا السعودي عن سعوديته ولا اليمني عن يمنيته ولا الجزائري عن جزائريته الى ما هنالك … فلماذا يودون ارغامنا على التنازل عن لبنانيتنا ؟؟؟؟؟
لا نستطيع ونحن على ابواب القرن الحادي والعشرين الاستمرار في اجترار الافكار والعقائد البالية التي اثبتت فشلها كمثل الحديث عن اتفاقات سايكس – بيكو من هنا او معاهدات سان ريمو من هناك للعب على وتر يؤدي بنا الى لحن جهنمي لا ينتهي من الصراعات بين كل شعوب المنطقة – بان الدول العربية كلها صنيعة الاحتلال والاستعمار – لان الكلام هذا لا يؤيد بالضرورة فكرة "حصر المرجعية العربية " في بلد ما او عاصمة عربية ما – ولا يخدم بالضرورة دولة عربية على حساب الاخرين ولا يستتبع بالضرورة افضلية بلد عربي على بلد عربي اخر وبالتالي حق لاي بلد عربي باستعمار او اخضاع بلد عربي اخر – خصوصا متى كانت حقائق التاريخ والجغرافيا – غير المسيسة – لا تصب في خانة هذه العقائد والافكار الخاطئة والمشوهة.
فلا شيء اذا يحتم علينا كلبنانيين – لا من منطلق التاريخ القديم والحديث ولا من منطلق الجغرافيا والجغرافيا السياسية ولا من منطلق الثقافة والاجتماع او الاقتصاد – ان يكون لبنان محكوما بلعنة "عروبة محتكرة " مستبدة به ومستبيحة اياه، لان العروبة فضاء واسع وحقيقة تاريخية وسياسية تتجاوز دولة معينة لتشمل فكرة ونظرة وفلسفة جامعة في اطار الاحترام المتبادل بين العرب لسيادة واستقلال وحرية كل شعب عربي.
فلبنان كما اي دولة عربية مع الاخوة التي لا تعني اخضاعا او استيلاء على سيادته واستقلاله … ولبنان كما اي دولة عربية غير محكوم بان يرى العروبة الا من خلال بوابة واحدة لانه هو ايضا اب العروبة وامها … فاذا كان من مرجعية فكرية وسياسية لعروبة فلما لا تكون بيروت اولها، وقد انطلقت من احضانها فكرة وفلسفة العروبة ردا على حركة التتريك والعثمنة (من عثمانيين ) – والا فان العروبة لها اكثر من باب ولها اكثر من ممر – فلا نبقى اسرى تفسير خاطىء للعروبة يعزز وضع اليد من دولة واحدة على لبنان باسم العروبة – ويعزز التبعية والالحاق والتعامل الفوقي مع اللبنانيين في امور تخصهم اساسا وحدهم ولا حق لاحد بالتدخل فيها .
نقول هذا الكلام للتاريخ … كي لا تبقى حتمية العلاقات بين لبنان وسوريا لعنة على سيادة لبنان واستقلاله …
هذا اذا اردنا علاقات مميزة فعليا بين البلدين …