#dfp #adsense

“السفير”: معركة جزين … الجغرافية السياسية تقترع أيضاً

حجم الخط

كتب عماد مرمل في "السفير": تكتسب معركة جزين البلدية حساسية فائقة بالنظر الى عوامل عدة أبرزها الجغرافيا السياسية التي شاءت ان تضع المدينة في وسط مثلث شيعي – سني – درزي جعلها على تماس مع ابرز مكونات التركيبة اللبنانية. ويروي المخضرمون من ابناء جزين ان شرط العيش فيها هو ان تكون لطيفا مع السنة كي يواظبوا على الاصطياف، وان تتعاطف مع الشيعة الشركاء في الارض وان تتحالف مع الدروز الذي يمثلون العمق الحيوي للمنطقة.

والى هذه الحساسية الديموغرافية، تمثل جزين بحد ذاتها ثقلا مسيحيا في الجنوب، شكّل خلال العقود الماضية حالة ملتبسة، سواء من حيث تحديد موقعه السياسي او من حيث علاقاته مع الجوار. ولعل هذا الالتباس وصل الى ذروته خلال فترة الاحتلال الاسرائيلي.

نقطة التحول في هذا المسار بدأتها شخصيات جزينية ظلت في اصعب الظروف متمسكة بخياراتها الوطنية، وأبرزها النائب السابق سمير عازار، وعندما عاد النائب ميشال عون الى لبنان من منفاه الباريسي، سارع الى تثبيت قواعده في المدينة الجنوبية التي دخل اليها اللون البرتقالي بقوة، منافسا الالوان الاخرى التي كانت سائدة تقليديا.

وقد ساهم التفاهم بين "التيار الوطني الحر" و"حزب الله" في تسهيل مهمة الجنرال الذي نجح في ملء الفراغ المسيحي من جهة وفي إعادة وصل ما انقطع مع شريحة واسعة من الجمهور الشيعي من جهة أخرى، ولكنه أخفق في ترتيب العلاقة مع الرئيس نبيه بري، بما يمثله في جزين وجوارها، الى حد ان الرجلين تواجها خلال الانتخابات النيابية السابقة، برغم ان ما يجمعهما في السياسة على المستوى الاستراتيجي هو أكثر مما يفرقهما على مستوى التفاصيل الداخلية.

تركت هذه التجربة ندوبا على جسد العلاقة بين بري وعون برغم حرص الرجلين المستمر على التخفيف من وطأة آثارها والتأكيد ان ما حصل في جزين كان موضعيا.

ولكن أشباح هذه التجربة ظلت تحوم حول الاستحقاق البلدي علما ان الرجلين أكدا أن لا علاقة لهما بها.

يخوض "التيار الحر" معركة جزين التي بدا متحمسا لها منذ البداية، على قاعدة إيجاد "شبكة أمان" بلدية تستكمل الفوز بمقاعد المدينة الثلاثة في الانتخابات النيابية السابقة، ما يؤمن قوة زخم إضافية لتحقيق الهدف المركزي وهو إعادة جزين الى الخارطة الانمائية والسياسية والسياحية بعد سنين من التهميش والصمت والانكفاء، حسب الادبيات البرتقالية المتداولة.

تحاول اللائحة المدعومة من التيار ان تبدأ من حيث انتهت الانتخابات النيابية: "الجمع بين الانفتاح على الشركاء في الديموغرافيا من مختلف الطوائف، وبين الاصرار على ان يكون لجزين قرارها السياسي والانمائي المستقل". البديل الآخر اثبت إخفاقه من وجهة نظر رعاة اللائحة، لأن الخضوع الى الأمر الواقع تحت شعار الاعتدال والمرونة لم يؤد الى أي مكان، بل ان كلفته كانت عالية. لقد خسرت جزين ارادتها السياسية من دون ان تربح تنمية او خدمات، لا بل ان الواقع السابق أفرز بلدية فئوية اعتمدت الاستنسابية في عملها، بينما المطروح الآن هو سيبة ثلاثية الأبعاد، تمنح المدينة القدرة على التوفيق بين الجرأة في التعبير، والدفء في العلاقة مع المحيط، والحق في الانماء المتوازن.

وما يساعد برتقاليي جزين على الذهاب بعيدا في هذا الطرح، إحساسهم بان التحالف مع "حزب الله" حررهم من ضغوط الماضي وعقده، حين كانت جزين تسبح خارج فضاء المقاومة، فجاء التفاهم الشهير ليصالح المدينة مع خيار المقاومة ويفتح أمامها آفاق الجوار، الامر الذي جعل مناصري التيار يحاولون انتزاع المبادرة واتخاذ الوضعية الهجومية في معرض المطالبة بما يعتبرونه حقوقا سياسية وانمائية، وصولا الى مساءلة بعض رموز اللائحة المنافسة من المحسوبين على أحد أطراف المعارضة السابقة عن خلفية تحالفهم مع قوى معروفة بتوجهاتها العدائية تجاه المقاومة والمعارضة وعن سبب قبولهم بما يرد على بعض المواقع الالكترونية التابعة لتلك القوى من انتقادات لسلاح المقاومة وترويج لمقولة ان "حزب الله" يضع يده على عقارات أبناء جزين.

في المقابل، تعتقد اللائحة المضادة التي يترأسها سعيد بو عقل من تيار الاعتدال اللبناني برئاسة سمير عازار، وتحظى بدعم "القوات اللبنانية" والكتائب، ان التيار الحر يتعمد ضخ خطاب انتخابي- سياسي متشنج ومتوتر، يهدف الى شد العصب الجزيني والتلاعب بعواطف الناخبين، استكمالا للاستراتيجية التي اتبعها في الانتخابات النيابية.

تتجنب هذه اللائحة المبالغة في تسييس الانتخابات البلدية في جزين، وتميل الى إعطاء الاولوية للبعد الانمائي – الخدماتي الذي كان على ما يبدو العنصر الاساس في جمع مسيحيي "14 آذار" وخط عازار ورمزية ابوعقل في وعاء واحد.

ويستغرب المقربون من هذا الائتلاف ان يعتبر العماد ميشال عون تحالفه مع القوات والكتائب مشروعا في العديد من مناطق جبل لبنان والبقاع، بينما يصبح ذلك عيبا إذا تعلق الامر بغيره، "علما انه للاستحقاق البلدي خصوصيته التي تجعله عابرا للانقسامات السياسية، ومولّدا لقواسم مشتركة على المستوى التنموي، وبالتالي فان من حق كل الاتجاهات في جزين ان تتشارك في خدمة الناس وادارة شؤونهم".

وينبه هؤلاء الى ان نواب التيار الحر في جزين أيقظوا العصبيات المحلية والطائفية داخل المدينة وحولها، وزرعوا الحقد بين أبنائها وتسببوا بانقسامات حادة في صفوفهم، وهذه اجواء غريبة لم تكن سائدة في السابق ولا يمكن ان يبررها شعار استعادة الدور المسيحي لجزين الذي يراد منه دغدغة المشاعر، في حين ان المطلوب هو الاعتدال الحقيقي الذي يمد الجسور في كل الاتجاهات، لافتين الانتباه الى ان احد نواب التيار لم يتورع عن رفع دعوى قدح وذم ضد بعض الشبان اليافعين بحجة انهم أساؤوا اليه عبر الانترنت، "وهذه سابقة غير مألوفة في العلاقات الجزينية".

ويرى المتحمسون للائحة المنافسة للتيار الحر ان العماد عون انفتح من جهة على جمهور واسع من الطائفة الشيعية عبر التفاهم مع "حزب الله" ولكنه أقفل الباب في وجه شريحة أخرى تدين بالولاء للرئيس بري كما أوجد نوعا من الفتور بين جزين والجوار الذي ينتمي الى مذهب آخر، ما وضع المدينة في موقع لا يشبه تاريخها أبدا.

المصدر:
السفير

خبر عاجل