لست خبيراً أو ضليعاً في شؤون الاقتصاد والمال والأعمال، حتى لأكاد أكون من الذين يقولون عنهم انهم لا يعرفون ثلث الثلاثة.
لكني أعلم كسائر الخلق والبشر هنا انه ليس بالتمنّيات والنيات الحسنة وحدها يُعاد بناء لبنان الدولة والمؤسّسات والادارات والوطن والمواطن، وتالياً الاوضاع الاجتماعيّة والمعيشيَّة للبنانييّن الذين صنَّفتهم الحروب وذيولها نوعين: ناس معهم مال كثير، وناس أعطنا خبزنا كفاف يومنا.
لقد طارت الطبقة الوسطى.
ومعها طار حزام الأمان الذي كان يوفر لهذا البلد عنصري الاستقرار وعدم الشعور بهوة الفوارق وخطورتها.
يشعر الناس، أو هم بدأوا يشعرون أن بشائر تغيير خفور أخذت تلوح في الأفق اللبناني، بالترافق والتوافق مع انطلاق قطار حكومة سعد الحريري في جولات لا تهدأ في اتجاه القارات الخمس، سعياً الى آفاق أرحب وأكثر وأخصب على صعيد التعاون في شتّى المجالات.
وفي ظروف قد لا تُتاح مرّات عدة. وقد لا تتردَّد، اذا ما نظرنا بموضوعيّة ودقَّة الى "قطوعات" المنطقة وامتداداتها الاقليميَّة، والتي لا يمكن اجتيازها بأمان الا باتباع سياسة الوضوح والصراحة والواقعيّة التي اختارها الرئيس الحريري لنفسه ولحكومته.
وبمواجهة الأمر الواقع، والتعامل معه بشفافيَّة ومسؤوليَّة، وعدم تجاهل عوامل الداخل وتبعات الخارج.
ايران بعيدة جغرافيّاً و"صاروخيّاً" عن لبنان. إلا ان أزمتها الاقليميَّة الدوليّة الكونيّة قريبة جداً منه. وتتمتع بنفوذ كبير داخل التفاصيل، وضمن البيت. وتمتلك "فروعاً" سواء في داره أم في جواره.
وسواءَ أَكانت على حق وصواب بالنسبة الى مشروعها النووي الطويل الأمد والبعيد المدى أم على خطأ، فان أيَّ اصطدام مع المجتمع الدولي والشرعيّة الدولية سيبلغ دويّه الربوع اللبنانية المضيافة، وستتناثر شظاياه في اتجاه التناقضات الكثيرة الحساسيّة التي تلقي الصيغة اللبنانيّة ظهرها عليها.
تماماً، كالسهل الممتنع وتحفّظات سيبويه.
أما عن المشروع الاسرائيلي الجهنمي، والقائم أساساً على تحدّي الدول الكبرى واراداتها وقرارات مجلس الأمن التي لا تحصى، فأنه يشكل تهديداً دائماً للوضع اللبناني الذي لا يُحسد على هذه الجيرة التي تجعله دائم الوقوف على الحافة، وعلى الشفير.
والأسباب والعوامل التي تحشر لبنان ضمن مخاطر هذين "العاملين" أو المشروعين أكثر من أن تُحصى، وأكبر من أن يحاول اللبنانيون تجاهلها.
كما لو نقول، مثلاً، انه بين مشروعين بل بين نارين، بل بين الوقاية والواقعيّة. هنا، تحديداً، تبرز الأهمية القصوى للتضامن الداخلي وتفاهم "العائلات" والقبائل والشعوب حول ما يُسمّى بند السلاح والصواريخ والاستراتيجيّة الدفاعية.
وهنا، كذلك، تتوضَّح الصورة وتتضح الرؤية لأبعاد السياسة الحكيمة والمتبصّرة التي يتبعها الرئيس الحريري، وبدقة وبمنتهى المسؤولية يقاربها.
فالموقف الموحّد، والكلمة الموحدة، والرؤية المشتركة هي مقومات وحدة لبنان والوحدة الوطنيّة.