#adsense

ثلاث “امبراطوريات” في التاكسي !

حجم الخط

"نريد عودة القدس وتحرير أرضنا لكن قبل ذلك نريد الدولة وحلولاً للماء والكهرباء والنفايات"
ثلاث "امبراطوريات" في التاكسي !

"ثلاث أمبراطوريات في منطقتنا (الشرق الأوسط): الإيرانية. التركية. الإسرائيلية. أما نحن أصحاب الأرض والتاريخ فلا وجود لنا. الأمبراطوريات الثلاث يتنافسن ويتزاحمن ويتقاتلن، ونحن نساند هذا الطرف ضد ذاك باسم الصراع الأبدي ضد إسرائيل". هذا الكلام لم يقله لي سياسي مخضرم ولا باحث أكاديمي قديم. قاله لي سائق تاكسي أقلني من الضاحية الجنوبية الى قلب بيروت، السائق أضاف بدون أي "روتوش": "تعبنا من صراع الأمبراطوريات، وتعبنا أكثر من غيابنا نحن العرب عن صناعة القرار. لكن كل ذلك لا يوازي تعبنا مما نعيشه هنا، في هذا البلد الذي يجب أن يكون جنة الله على الأرض، فاذا به زاوية من زوايا جهنم". أنظر إليّ. عمري 73 سنة وأنا مضطر لأعمل سائق تاكسي. بدأت هذه المهنة أيام الرئيس كميل شمعون. كانت مهنة تدر ذهباً، فيها نظام وأخلاق. أما اليوم كل شيء غلط. لا نظام ولا قانون ولا أخلاق. الخصوصي يعمل وهو أهون بمئة مرة من النمر الحمراء المزوّرة، أستطيع أن أريك أكثر من لوحة بنمرة واحدة موزعة على أكثر من سيارة و"فان". صحيح أن كل ما عليها فانٍ، لكن هل يجب أن اركض في هذا السن، لأؤمّن ثمن الدواء لي ولزوجتي قبل لقمة العيش؟. أولادنا بالكاد يكفون أنفسهم. أحوالهم على قدّهم. حاولت تعليمهم. منهم من نجح ومنهم من لم يكمل. بالنهاية مداخيلهم متقاربة، مستورون لكنهم لا يستطيعون مساعدتي أكثر من تقديم بعض حاجاتي اليومية العادية".

سائق التاكسي "الختيار" أكمل وهو يشق طريقه وسط الضاحية، وقد اطمأن أكثر لأني استمع اليه بانتباه واهتمام: "أريد تحرير فلسطين من النهر الى البحر، مثلما كنت وما زلت مع تحرير كل ذرة تراب من أرضنا في الجنوب. لكن أيضاً أريد أن أعيش بكفاية وكرامة. أريد أن تساعدني الدولة في أبسط الأشياء. أريد أن تكون موجودة، لا أن نكون مثل هذا الشرطي الذي وسط الطريق يتبادل الحديث مع صديق له، أو يقف لا مبالياً لأنه لا يستطيع أن يفرض هيبة الدولة. هل تذكر الشرطي الذي كان حيث يقف عند مفترق الطرقات ينظم السير وكأننا في انكلترا؟. اشارة من يده كانت تجمّد الدم في رؤوسنا. كان لابن الدولة هيبة ورهبة. الآن ماذا يستطيع هذا الشرطي؟ حتى لو كان "قبضاي" يحترم نفسه فإنه يخشى مجابهة السائقين لأن أولاد الحلال بينهم خفّوا، لانهم مسنودون. ماذا يفعل "ابن الدولة" قبل المخالفة، وان سكت خسر وان وقف وواجه خسر، لأن لا أحد سيساعده ويدعمه إلا إذا كان ابن عشيرة، حتى في هذه الحالة سيخسر لانه سيورط نفسه وعائلته في مشكلة كبيرة".

كان النهار حاراً بعض الشيء بالنسبة للموسم. التقط السائق زجاجة ماء، قدمها لي فشكرته، فشرب ومال إليّ: "اعتدت على شرب هذا الماء. لكن أحفادي لا يستطيعون. أهلهم مضطرون لشراء الماء المعقم. مصروف زيادة. هل يعقل ان نحتاج للمياه في لبنان؟ كل هذا يهون أمام الكهرباء.

نحن بلد سياحي، ولا كهرباء عندنا تكفي لإدارة البرادات وإضاءة غرفة واحدة في منازلنا. الاعتداء على الكهرباء موجود ولكنه لا شيء أمام ما يجري في "مغارة" الكهرباء. مليارات الدولارات طارت ومعها الكهرباء. هل يعقل غياب الحل؟ هل يعقل عدم وجود مشروع حقيقي للكهرباء؟!. ليحضروا محطة نووية ويخلّصونا. ربما يخاف العالم من تجهيزنا بها، يمكن "عقل المغارة" يتوقف ونجد طريقة لتحقيق مكاسب بالمليارات وبوسائل أسرع".

ينتفض فجأة السائق العجوز وكأن مساً كهربائياً قد اصابه: ذهقنا من الصور والشعارات، يا اخي نحن كلنا مع المقاومة ومع الحقيقة ومع الشقيقات والاشقاء وندعم إيران وتركيا ونحارب إسرائيل، لكن ماذا عن شوارعنا وقرانا؟ ماذا عن الزبالة التي تزكم أنوفنا وتنتج كل أنواع الأمراض؟ ليهتموا بنا أكثر. ليعملوا على تنمية مجتمعاتنا وتثقيفها. ليقيموا مشاريع تنموية. لتكن البلديات "مصانع" للتنمية وليس للتزاحم الحزبي. كل قوة تقف وتصرخ ربحنا الانتخابات، أبقى انا المواطن الفقير، الخاسر الكبير. قبل ان ينتخب أعضاء البلدية الرئيس، يكونون قد نسوني، همومهم ومسؤولياتهم أكبر مني أنا المواطن العادي. بالنهاية القرار الحقيقي، يعود للحزب الذي رشحهم وأنجحهم. لو كانوا يريدون تنافساً حقيقياً لخدمة الناس في القرى المعزولة، لماذا "المحادل" وعزل المعارضين لقراراتهم رغم أنهم ليسوا معارضين للمبادئ الأولى والأساسية؟!. يريدون الوفاق، نحن معهم لكننا لا نريد الاتفاق علينا.

الزحام عند مفترق الطرق، يفعل فعله، يتصاعد الدخان الأسود، يقول السائق "الختيار": "كنت أطلب من الركاب عدم التدخين. ثم تأكدت انني أتنشق عند كل مفترق طرقات، ما يوازي عشر علب دخان. فاستسلمت لقدري، كأن قدرنا أن نعيش في قلب التلوث بكل أنواعه ودرجاته". يضيف السائق مشدداً: طبعاً الحق ليس كله على الدولة، الحق علينا. لو كان كل رب عائلة ينهر ولده من رمي الأوساخ في الطرقات، أو من الشرفات لما وصلنا الى هنا. نحن ننظف منازلنا، ونوسخ شوارعنا، كأنها ليست لنا. على العائلة ان تحسن تربية أطفالها مدينيا. والبلديات قبل أي طرف تعمل على تقديم اقتراحات ومشاريع لحل مشكلة النفايات".

"الماء والكهرباء والنفايات، ثلاثة في واحد، يقول "الختيار"، اذا حلوا واحدة من هذه المشاكل، حلوا الباقي. أولاً لأن معنى ذلك تبلور ارادة بالتغيير، وثانياً لأن مشاكل متداخلة مع مرض يعرفه الجميع وهو الفساد. هكذا نهج يعني الدخول في مواجهة حاسمة مع الفساد بكل مظاهره وأشكاله". يضيف وهو يقسم مرات عدة: "حتى المواطن الذي يسرق الكهرباء أو يرمي النفايات في الشوارع، سيخجل ويمشي مع الدولة. أي مواطن تراه هنا وفي أقصى الشمال وأقصى الجنوب يريد الدولة التي تحميه لأنه لبناني، وليس لأنه حزبي يدين بالولاء لحزب.

بعد الضاحية وقبل أن يطل على قلب بيروت، يسألني السائق "الختيار": "هل تعتقد ان العرب سيستيقظون يوماً ليقفوا الى جانب "الامبراطوريتين الايرانية والتركية، وقفة الند والحليف معاً؟، هم بحاجة لنا مثلما نحن بحاجة لهم. عدونا واحد. اسرائيل لا تتحمل وجود "امبراطوريات" في الفضاء السياسي للمنطقة لأنها تعتبره "فضاءها" قبل أن تكون المسألة مسألة تحرير القدس. عندما نعود لنصبح ثلاث "امبراطوريات" متكاملة متضامنة ومتكافلة نستطيع أن نربح العالم كله. الشرط الوحيد ان نربح انفسنا أولاً وأخيراً. الخطوة الأولى نحو هذا النصر العظيم أن نلعب ونناضل ونحارب من أجل مصالحنا وأهدافنا مع حلفائنا كشركاء".
قبل أن أنزل من السيارة في وسط بيروت، التفت السائق "الختيار" إليّ قائلاً: "طَوَشْتَكْ" (أزعجتك كثيراً) أجبته: أطربتني..

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل