كتب هشام ملحم: التطورات السريعة والمتلاحقة في شأن البرنامج النووي الايراني، بدءاً من الاتفاق الثلاثي التركي – الايراني -البرازيلي، مرورا بالاعلان عن مسودة قرار جديد في مجلس الامن لفرض عقوبات اضافية على ايران، وانتهاء بتهديد طهران بتعليق الاتفاق في حال فرض عقوبات جديدة عليها، ابرزت بعض الحقائق الجديدة في السياسة الدولية يمكن ان تكون لها مضاعفات كبيرة، ليس على مستقبل العلاقات الاميركية-الايرانية التي من المرجح ان تتدهور أكثر وان تصل ربما الى المواجهة العسكرية فحسب، بل على علاقات واشنطن مع بعض حلفائها التقليديين وتحديدا تركيا، وموقف الدول النووية في مجلس الامن من دور بعض الدول الناشئة، مثل البرازيل وغيرها التي تريد الاضطلاع بدور أكبر في السياسة الدولية.
يقول المسؤولون الاميركيون ان صوغ مسودة قرار العقوبات الجديدة ضد ايران كانت قد انتهت عمليا خلال عطلة نهاية الاسبوع الماضي بعد اتصالات كثيفة قامت بها وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون مع نظرائها في مجموعة الخمسة زائد واحد، ولكن توقيت الاعلان كان يهدف الى الرد ، او على الاصح الى تقويض الاتفاق الثلاثي التركي- الايراني-البرازيلي والذي يقضي بقبول ايران نقل كميات من وقودها النووي الى تركيا لتخصيبه قبل استعماله لاغراض سلمية. الاتفاق الثلاثي لم يكن مفاجئاً لواشنطن، التي حاولت كما قالت مصادر مطلعة من خلال الاتصالات، الحادة احيانا، التي قامت بها كلينتون مع نظيريها التركي والبرازيلي التأثير على مضمونه وحض الدولتين على ايصال الموقف الاميركي بوضوح الى الايرانيين. وقالت كلينتون: "هذا الاعلان هو رد مقنع على الجهود التي قامت بها طهران خلال الايام الاخيرة".
وحده وجود تركيا والبرازيل في مجلس الامن منع كلينتون من ان تدرج اسميهما بعد ايران. واشارة المسؤولين الاميركيين، وآخرهم الرئيس باراك اوباما خلال اتصاله الهاتفي الاخير مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان الى "الجهود الصادقة" لتركيا والبرازيل، لا تخفي حقيقة ان هناك توتراً ملحوظا في العلاقات مع البلدين، وهو توتر مرشح لتصعيد اضافي في حال صوتت تركيا والبرازيل، كما هو متوقع الان ضد قرار العقوبات الجديد.
وسارع المسؤولون الاميركيون الى نفي ما قاله وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو من ان الرئيس اوباما شجع اردوغان والرئيس البرازيلي لويس ايناسيو لولا دا سيلفا وانه "مهد الطريق لهذه العملية". وقال هؤلاء ان اوباما، خلال لقائه أردوغان وداسيلفا في القمة النووية في واشنطن الشهر الماضي، شجعهما على اقناع ايران بتنفيذ التزاماتها الدولية وعدم اعطائها الذريعة لتفادي الامتثال لمطالب الامم المتحدة. وصرح الناطق باسم وزارة الخارجية الاميركية فيليب كراولي بأن كلينتون لم تؤيد خلال مكالمتها الاخيرة مع نظيرها التركي أي اتفاق من هذا النوع وانها اوضحت ان جهود ايران تهدف الى عرقلة قيام مجلس الامن بفرض عقوبات جديدة عليها.
الولايات المتحدة كانت تدرك ان مساعي ايران لاقناع الدول ذات العضوية الموقتة في مجلس الامن، وفي طليعتها تركيا والبرازيل بالتعاون معها كانت تهدف الى خلق وهم بحدوث تقدم في الموقف الايراني من اجل تجذير الانقسامات في مجلس الامن وحرمان مجموعة الخمسة زائد واحد فرض سلة رابعة من العقوبات ضدها، او على الاقل حرمانها الحصول على أكثرية مريحة لقرار العقوبات.
وبغض النظر عما سيحدث للاتفاق الثلاثي، وحتى لو أقر مجلس الامن قرارا جديدا بفرض عقوبات اضافية على ايران، فان ما قامت به تركيا والبرازيل سيكون سابقة مهمة في السياسة الدولية او في مجلس الامن لانه نادرا ما تقوم الدول ذات العضوية الموقتة في مجلس الامن بعرقلة او تحدي الجهود التي تقوم بها الدول (النووية) الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن. هذا التحدي من دولتين ناشئتين، احداهما، تركيا، التي كانت خلال عقود الحرب الباردة تحت حماية المظلة النووية الاميركية وتتلقى المساعدات الاقتصادية والعسكرية من الولايات المتحدة، ودولة اميركية جنوبية مثل البرازيل كانت تربطها تقليديا علاقة جيدة بواشنطن، يظهر الى أي مدى هناك استعداد في هذه الدول الناشئة للتمرد ضد ما تعتبره امتيازات ونفوذاً اوجدتهما حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يعد في الامكان تبريرها او قبولها في عالم انحسر فيه النفوذ الغربي الاقتصادي والسياسي، وبرزت فيه قوى اخرى تريد المساهمة في صنع القرارات الدولية، لا بل تغيير هيكلية مجلس الامن التي لا تعكس التوازنات الدولية الراهنة.
وعلى رغم ارتياح المسؤولين الاميركيين الى مسودة قرار العقوبات، الا انهم يتصرفون وكأن الاتفاق الثلاثي وجهود الدول الموقعة عليه يمكن ان توجد عقبات جديدة امام اقراره او احتمال قيام الصين، الدولة المعروفة تقليديا بمعارضتها لفرض العقوبات الاقتصادية، ( والتي رحبت بالاتفاق الثلاثي)، بمحاولة تأخير اقراره. ويقول المسؤولون الاميركيون ان مسودة القرار وضرورة اقراره بسرعة ستكون في طليعة القضايا التي ستثيرها كلينتون في المحادثات التي ستجريها مع القيادة الصينية خلال جولتها الاسيوية.
الموقف اللبناني
ويرى بعض المعلقين ان واشنطن وحلفاءها في مجلس الامن سيواجهون صعوبات في الحصول على 10 اصوات تؤيد قرار العقوبات الجديد، ويشيرون في هذا السياق الى الحملة السياسية التي تقوم بها ايران لاقناع دول مثل لبنان ونيجيريا والغابون بالتصويت ضد القرار او على الاقل الامتناع عن التصويت عليه. وثمة اهتمام في الاوساط السياسية ومراكز الابحاث بموقف لبنان الذي يتعرض وسيتعرض مع اقتراب موعد التصويت على القرار لضغوط جديدة من ايران وحلفائها في لبنان للتصويت ضد القرار.
وأفادت مصادر اميركية مسؤولة ان قرار العقوبات سيكون من بين القضايا التي سيثيرها المسؤولون الاميركيون وقادة الكونغرس يومي الاثنين والثلثاء المقبلين مع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري خلال زيارته الرسمية الاولى لواشنطن. وليس سرا ان واشنطن حاولت اقناع لبنان بعدم ترشيح نفسه لعضوية مجلس الامن، بحجة ان الحكومة اللبنانية ستكون عاجزة عن التصويت على قرارات مثيرة للجدل تتعلق ليس فقط بايران بل ايضا بسوريا والسودان والارهاب والنزاع العربي – الاسرائيلي وغيرها، من دون المجازفة بالتسبب بانقسامات داخلية وربما اكثر من ذلك. ويرى بعض المحللين ان امتناع لبنان عن التصويت على القرار، وهو الموقف المرجح، لن يرضي ايران او الولايات المتحدة، ولن يحمي الحكومة اللبنانية من استياء هاتين الدولتين المحوريتين.
افضل الممكن
يقول المسؤولون الاميركيون ان مسودة قرار العقوبات هي أفضل ما يمكن التوصل اليه بعد مفاوضات طويلة وصعبة مع روسيا والصين. ويقرون بأن القرار لا يتضمن بعض البنود العقابية التي كانوا يرغبون فيها مثل مقاطعة التعامل مع المصرف المركزي الايراني ووضعه مع مؤسسات ايرانية تساهم في تطوير الاسلحة والبرنامج النووي الايراني مثل شركات النقل الجوي والبحري على اللائحة السوداء. ويشمل قرار العقوبات منع تزويد ايران الاسلحة الثقيلة مثل الصواريخ والطائرات الحربية. ولكن اللافت ان مسودة القرار لا تمنع تصدير الصواريخ الدفاعية مثل صواريخ أرض-جو من طراز "اس 300" التي تعتزم روسيا تزويد ايران اياها على رغم المعارضة الاميركية نظرا الى دقة هذه الصواريخ ضد الطائرات.
وبعكس قرارات اقرها مجلسا الشيوخ والنواب في الكونغرس الاميركي وتدعو الى فرض عقوبات على قطاع الطاقة الايراني ومعاقبة الشركات التي تتعامل مع هذا القطاع، لا تدعو مسودة القرار الى مثل هذه العقوبات، بسبب معارضة الصين وروسيا. ولكن القرار يتضمن مطالبة الدول بوقف أي معاملات مالية يمكن ان تساهم في تطوير البرنامج النووي الايراني، كما يعطي الدول حق تعقب السفن التي يشتبه في انها تحمل المواد المحظورة الى ايران وتفتيشها.
روسيا والصين
وعن اسباب موافقة الصين وروسيا على مسودة القرار، يرى بعض المحللين انه بما ان القرار لا يتضمن العقوبات القاسية التي كانت ترغب فيها واشنطن في البداية، فانه لن يؤثر مثلا على مستوردات الصين من النفط الايراني، كما ان روسيا وربما الصين مثلهما مثل واشنطن لا تريدان بالضرورة بروز منافسة للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن من دول مثل تركيا والبرازيل.
والاعتقاد السائد في واشنطن هو انه في حال اقرار العقوبات الجديدة فانها لن تؤدي وحدها الى وقف البرنامج النووي الايراني، وان كانت، في حال تطبيقها بجدية، يمكن ان تؤدي الى تأخير هذا البرنامج. ويقول المسؤولون الاميركيون ان اقرار العقوبات الجديدة لن يكون نهاية المطاف بل خطوة مهمة يجب ان تلحقها، في حال اصرار ايران على مواصلة تخصيب الاورانيوم، اجراءات عقابية اضافية تفرض خارج اطار مجلس الامن ، ولكن في اطار جماعي مثل قيام الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا بفرض سلة عقوبات اضافية ومؤلمة ضد ايران تمنعها من الافادة من النظام المالي الدولي، ومن الحصول على مواد ومعدات وتقنيات قد لا تستطيع طهران تعويضها من مصادر اخرى.
انديك
ونظرا الى أن سلة العقوبات الجديدة لن تؤدي في ذاتها الى منع ايران من الاستمرار في برنامجها النووي، يرى بعض المحللين وبينهم المسؤول السابق مارتن انديك الذي يشغل الان منصب نائب رئيس مؤسسة بروكيغنز للابحاث، انه "كان من الافضل ابقاء سيف العقوبات الاضافية مصلتاً فوق رأس ايران، ولكن من دون طرح مسودة القرار على التصويت في هذا الوقت"، واستخدام الاتفاق الثلاثي لدعوة ايران الى العودة الى التفاوض مع مجموعة الخمسة زائد واحد والوكالة الدولية للطاقة النووية حول مبدأ نقل الاورانيوم الايراني المخصب بنسب متدنية الى الخارج وتخصيب كميات منه بما يتيح لايران، في اشراف الوكالة الدولية استخدامه لأغراض طبية كما تقول ايران. ووفقا لهذا الطرح، يجب على ايران ان تقبل عدم ابقاء أي كميات من الاورانيوم المخصب لديها يمكن ان تكفي لتصنيع قنبلة نووية.
ومع ان انديك في حديثه مع "النهار" يعترف بان اقناع ايران بوقف تخصيب الاورانيوم ليس سهلا وغير مضمون، الا انه يشير الى ان ايران ورغبة نظامها بالبقاء في السلطة، يمكن ان تقبل احيانا بتسويات مؤلمة اذا ادركت انها ستدفع ثمنا كبيرا، مثل تعرضها لضربة عسكرية اميركية.
ويضيف انديك ان الذين يعتقدون ان ادارة اوباما لا يمكن ان تقدم على توجيه ضربة عسكرية لايران، لا يقرأون بدقة مواقف اوباما. ويشير في هذا السياق الى بعض المواقف والاجراءات التي تبين العكس، ومن بينها تأكيدات اوباما العلنية ان الولايات المتحدة لن تسمح لايران بأن تتحول دولة نووية، والى التأكيدات التي حملها وزير الدفاع روبرت غيتس الى دول الخليج وتحديدا السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة التي زارها في اذار الماضي من ان اميركا لن تسمح لايران بأن تخيم بظلها النووي على منطقة الخليج، وتأكيدات مماثلة اوصلتها اميركا الى اسرائيل، والى ما جاء في السياسة النووية الجديدة لاوباما والتي استثنت دولاً مثل ايران من بين الدول الموقعة على معاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية والتي يمكن ان تهاجمها الولايات المتحدة اذا شكلت خطرا عليها، والى سياسة اوباما النووية عموما والهادفة الى تقليص لا بل الى التخلص من الاسلحة النووية في المستقبل ومركزية هذه السياسة. ويضيف انه ضاع في الجدال الذي اثاره الكشف عن مذكرة وضعها الوزير غيتس حول عدم وجود خيارات او بدائل لمواجهة البرنامج النووي الايراني اذا لم تنجح العقوبات، حقيقة ان هذه المذكرة كانت تهدف من جملة ما تهدف اليه الى بدء البحث الجدي بالخيارات العسكرية الاميركية للتخلص من البرنامج النووي الايراني، وان وزارة الدفاع الاميركية بدأت فعلا اعادة النظر في هذه الخيارات وتطويرها. ويخلص الى القول انه اذا ادركت طهران ان واشنطن جادة في سياستها منع ايران من ان تتحول دولة نووية وانها مستعدة لاستخدام الخيار العسكري كخيار اخير اذا اقتضى الامر، "عندها يمكن ان تتغير الحسابات الايرانية وتصبح واقعية اكثر"، على حد قوله.