الحريري يستوضح مواقف ملتبسة للسياسة الأميركية
السلام الشامل يحمي لبنان ودول المنطقة من الحروب
إذا كانت حملة بعض حلفاء سوريا في لبنان على زيارة الرئيس الحريري لواشنطن توقفت بعد موقف الرئيس الأسد الايجابي منها، فهل تظل متوقفة حتى بعد العودة من هذه الزيارة، أم أن الأمر يتوقف على مضمونها وعلى نتائجها، ومعرفة ما الذي قاله الرئيس الحريري للرئيس أوباما وهو ما كان يحصل مع والده الشهيد في كل زيارة للخارج اذ كان خصومه وبعضهم من حلفاء سوريا يستقبلونه لدى عودته بحملة على نتائج زيارته تقلّل اهميتها ودرجة نجاحها.
لقد أعلن أكثر من قيادي في "حزب الله" تعليقاً على زيارة الرئيس الحريري لواشنطن "إن الرئيس الحريري هو رئيس وزراء كل لبنان والحكومة التي تبنت البيان الوزاري وفيه "حق لبنان في الدفاع عن أرضه شعباً وجيشاً ومقاومة" ليس لدينا أي شكّ في أن الحريري سيقول في أميركا ما يقوله ويفعله اليوم في لبنان وفي باله حماية لبنان واستقراره ومقاومته، وسينقل صوت لبنان الى المحافل الدولية والعربية وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، وان "حزب الله هو مع أي شيء يستثمر لحماية لبنان ومصالحه واستقلاله".
ورغم هذا الموقف، فان بعض حلفاء سوريا في لبنان ربما من قبيل التهويل الاستباقي يقولون ان الحكم النهائي على زيارة واشنطن مرتبط بنتائجها وما سوف يقوله الرئيس الحريري للرئيس أوباما عن المقاومة وعن العلاقة مع سوريا وعن صواريخ السكود وعن خروقات اسرائيل للقرار 1701 وعن هروبها من عملية السلام الى حدّ أنها تحدت إدارة الرئيس أوباما نفسها باعلان استمرارها في بناء المستوطنات.
الواقع أن زيارة الرئيس الحريري لواشنطن هي في رأي أوساط رسمية وسياسية مهمة أيّاً تكن نتائجها إذ انه سيقف خلالها على حقيقة السياسة الأميركية حيال لبنان وسوريا واسرائيل خصوصاً والمنطقة عموماً، وكذلك على حقيقة الموقف الأميركي من حرية لبنان إذا تعرّض لاعتداء اسرائيلي من دون سبب أو مبرّر. ذلك ان السياسة الأميركية فيها أكثر من المواقف الغامضة والملتبسة، ففي حين أنها تقرر الانفتاح على سوريا وفتح صفحة جديدة فيها وتعيين سفير جديد لها في دمشق، تراها تعود الى سياسة الانغلاق ولو الجزئي عليها وتأخير إرسال سفيرها الى دمشق، مع تجديد العقوبات عليها بعد اتهامها تهريب صواريخ "سكود" الى "حزب الله" في لبنان، من دون معرفة الأسباب والدوافع الحقيقية لكل ذلك سوى ما ينشر من أقاويل وتفسيرات وتكهنات بحيث باتت السياسة الأميركية في المنطقة خاضعة للمزاج.
ومن الاسئلة والتساؤلات التي تطرح في أوساط رسمية وسياسية وشعبية حول أسباب هذه المواقف الأميركية المتقلبة في سياستها في المنطقة ما يأتي:
ماذا كانت الولايات المتحدة الأميركية تنتظر من سوريا ان تفعل ولم تفعله، وما الذي وعدت به ولم تف به؟ هل وعدت بالابتعاد عن إيران والعودة الى الفلك العربي وتحديداً الى محور دول الاعتدال والخروج من دول الممانعة، ولم تفعل، إنما فعلت العكس بعقدها قمة في دمشق ضمت الرئيس الأسد والرئيس نجاد وأمين عام "حزب الله" حسن نصرالله، هل لأنها رفضت العودة الى المفاوضات المباشرة او غير المباشرة مع اسرائيل مع أن هذا الرفض سببه اسرائيل التي شنت حرباً قاسية على غزّة وجعلت الوسيط التركي بنفسه يرفض العودة الى هذه المفاوضات، هل لانها لم تغير سلوكها كما هو مطلوب حيال لبنان وعادت الى التدخل سلباً وعبر حلفائها في لبنان بشؤونه الداخلية ولم تترجم عملياً العلاقة من دولة الى دولة، ولم تضبط حدودها مع لبنان لمنع التهريب على اختلافه ولاسيما السلاح الى "حزب الله" ولم تساعد على إزالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات رغم اجماع اللبنانيين عليه، هل لأنها أخلّت بوعدها، فلم تساعد على حلّ أزمة تشكيل الحكومة في العراق، وما زالت على موقفها الملتبس من الوضع في اليمن وفي افغانستان وفي باكستان ربما مسايرة منها لايران وغير إيران؟
ان الرئيس الحريري يحاول في زيارته الحصول على أجوبة واضحة على هذه الأسئلة والتساؤلات كي يستطيع لبنان ان يبني سياسته وقراراته على معطيات صحيحة. كما يحاول ان يقف من ادارة الرئيس أوباما على حقيقة موقفها من لبنان اذا كانت حريصة فعلاً لا قولاً على استقلاله وسيادته وعلى قيام دولة قويّة فيه، قادرة على بسط سلطتها على كل أراضيها فلا تكون فيها سلطة غير سلطتها ولا سلاح غير سلاحها، وهذا لا يتطلب حصول لبنان على اسلحة متطورة للجيش ولقوى الأمن الداخلي، يحتاج اليها للدفاع عن نفسه وليس لمحاربة اسرائيل والاعتداء عليها ولا حتى لتحرير ما تبقى من أرضه المحتلة بقوّة السلاح بل بقوّة الديبلوماسية وبدعم أميركي قوي.
ان زيارة الرئيس الحريري الى واشنطن مهمة سواء ما يتعلق بالحصول على أجوبة عن الأسئلة والتساؤلات المشار اليها آنفاً، او بما يطمئن ويضمن عدم قيام اسرائيل بالاعتداء، على لبنان، ومعرفة مدى قدرة ادارة الرئيس أوباما على تحقيق سلام شامل في المنطقة ينطلق من حلّ الدولتين، ومن تنفيذ القرار 1701 بكل بنوده، وتكون اسرائيل هي البادئة بتنفيذه فتحرج عندئذ كل الاطراف المعنيين، لا أن تشترط لتنفيذه نزع سلاح "حزب الله" وضبط الحدود مع سوريا كما اشترطت من قبل تنفيذاً للقرار 425 منع انطلاق العمليات الفدائية الفلسطينية من الجنوب اللبناني وان يتم الانسحاب الاسرائيلي بالتزامن مع الانسحاب السوري من لبنان.
الواضح، ان لا شيء يضمن حماية لبنان وجعل المنطقة تنعم بالهدوء والاستقرار سوى تحقيق السلام الشامل وتنفيذ القرار 1701 كاملاً بسعي دولي جاد ولاسيما اميركي وان زيارة الرئيس الحريري لواشنطن التي يحمل اليها معه صوتاً لبنانياً واحداً وتصوّراً عربيّاً واقليميّاً مشتركاً، سوف يحاول خلالها معرفة ما إذا كانت إدارة الرئيس أوباما راغبة في تحقيق السلام لكنها غير قادرة أم أنها قادرة لكنها غير راغبة كي يُبنى عندئذ على الشيء مُقتضاه.