بصرف النظر عن الانكسار والذل والفرار الإسرائيلي المهزوم من لبنان في العام 2000، سيكون من الصعب على كثيرين ابتلاع سؤالنا: هل كان "تحريراً " أم "انسحاباً"؟ مع احتفاظنا باحترامنا الكبير وإجلالنا لكل دماء الشهداء التي حشرت إسرائيل في الزاوية حتى اضطرت لتغيير خططها الاستراتيجية فنفذت "انسحابها الاحادي" من جنوب لبنان، وما على الذين لن "يهضموا" كلامنا إلا استعادة "الاعتراض" الكبير الذي انطلق، رافضاً المفارقة، للقرار الإسرائيلي، والاحتجاج عليه… عقد من الزمن "ما حلّها" الذاكرة تنسى "الاعتراض" على ما سمي "انسحاب إسرائيلي احادي"، ثم "خرائط مزارع شبعا"، ثم صبيحة 25 أيار تغير المصطلح من انسحاب إلى تحرير..
ليس أقدر من العرب على تحويل الهزائم إلى انتصارات ولأن مفردات اللغة العربية "مطاطة"، تحولت كارثة وفضيحة خيانة فلسطين وتركها لليهود إلى مجرد كلمة مأسوية شاعرية فقالوا "نكبة".. وعام 1967 ما أسرع ما تحول مفرد هزيمة ساحقة إلى "نكسة"، لذا كان من الطبيعي أن يطاول التنظير مصطلح انسحاب أحادي "مرفوض" من قبل كل من كانوا يتحدثون عن النضال والمقاومة لأنهم سيخسرون بهذا الانسحاب ورقة مساومة على طاولات المفاوضات..
وفي هذا التاريخ بالذات 25 أيار اختارت إسرائيل إجراء أكبر مناورة في تاريخها كدولة، وبصرف النظر عن العناوين العسكرية لمناورة "تحول 4" ما يعنينا فقط – في ظل الانشغال بالعزف على ربابة الهزيمة الإسرائيلية – هو الحديث عن الشق الذي يتعلق بالناس، بالبشر، بالمواطن بالدرجة الأولى، من دون الانزلاق إلى الحديث عن الاستعداد العسكري والميداني والذي يوحي باقتراب موعد الحرب لأن نُذرها تلوح في الأفق رغم التطمينات الإسرائيلية، فاليهود أهل غدر وخيانة وهذا جزء من طبيعتهم الإنسانية..
"تحول 4" تنفذها إسرائيل تحت عنوانين رئيسيين: الأول هو؛ نقل مئات آلاف من السكان من منطقة إلى أخرى، أما الثاني؛ فهو الاستعداد لحرب الكترونية من نمط جديد.. البعد الأول لأضخم مناورة للجبهة الداخلية في تاريخ إسرائيل هو حماية السكان، المواطنين المدنيين إلى مناطق أكثر أمناً، فيما تذكر صحيفة "هآرتس" إلى أن الأمر يتعلق بمئات الآلاف وليس بعشرات الآلاف من السكان، وأن قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية تبلور خطة مفصّلة لترتيب اخلاء جماعي للسكان المدنيين من مناطق تتعرض للهجوم، كما تتعامل المناورة مع احتمال انهيار مبان سكنية كبيرة في الحرب وتعرض مناطق لهجمات كيميائية.
أما في لبنان، فلا نرى إلا "الحَوَلْ" في الرؤية، واللامبالاة بحياة الناس، "استحلينا" أن نقرأ عن إعداد ملاجئ للمواطنين لتقيهم ما يثير قلقهم ومخاوفهم من حديث عن حرب من نمط جديد!! "استحلينا" أن نقرأ عن مناورة لفرق الدفاع المدني لإخلاء جماعي للسكان من القرى، أو تدريبهم على اللجوء إلى الغرف الآمنة وكيفية التوجّه إلى الملاجئ طبعاً، لأن ليس هناك من ملاجئ!!
"استحلينا، أن نقرأ عن مناورة للجيش اللبناني في مواجهة من هذا النوع، فإذا كانت إسرائيل تستعد لمناورة تتساقط فيها آلاف الصواريخ عليها بل صواريخ برؤوس كيميائية، فهل استعدت "الثلاثية" الدولة والشعب والمقاومة في لبنان ولو لاحتمال تساقط مئات الآلاف من الصواريخ على لبنان برؤوس كيميائية أو بيولوجية!!
تنفذ في لبنان مناورة "الحَوَل الدائم"، الدولة المتخلية عن مسؤولياتها المتفاجئة دائماً "بمشكل صغير في زاروب" فكيف بحرب من نمط جديد، والمطنشة عن إخلاء مبنى سكني معرض للانهيار، ولا تملك كفاءات في مواجهة هذا النوع من الحروب، فالناس ينزحون إلى المدارس، ومن لم يجد له مكاناً إلى الحدائق العامة.. هل تذكرون مشهد الملعب البلدي في الطريق الجديدة والخيم الغارقة في وحول الشتاء في آذار 1978، أم مشهد الهواء الطلق في حديقة الصنائع في تموز العام 2006!!
وإذا كانت المقاومة تعلن جهوزيتها الكاملة، أليس على ركني "الثلاثية" الباقيين أن يعلنا جهوزيتهما الكاملة وأن نعرف ما هي الخطط التي وضعتها الدولة ووزاراتها ومرافقها المختصة لمواجهة احتمال تساقط مئات الآلاف من الصواريخ على لبنان في حال اندلاع حرب من نمط جديد؟ أم أنه "مكتوب على جبين الشعب اللبناني" أن يستعيد مشاهد حرب تموز نفسها إن وقعت الحرب؟ أليس من حقنا أن نسأل، بدلاً من يُضحك على ذقوننا بحكاية انتصار جديد سيتحقق وهزيمة مدوية ستمنى بها إسرائيل، أما ما بينهما من دمار وخراب وقتلى ونزوح متروك ليدبّر "الشعب راسو براسو"، ولك رأس يا مواطن "بين هالروس بيتدركب"!! و"عن جد" السؤال ملح وضروري: "وينيي الدولة"؟!