هل تؤمن الموازنة المالية التوازن السياسي في البلد؟ السؤال طرح خلال جلسة مجلس الوزراء اول امس، لاسيما عند اقتراح البعض عقد جلسات متواصلة تكفي لدرس ومناقشة بنود الموازنة بواقعية وعقلانية!
لذا قال بعض الوزراء ان السؤال في محله فضلا عن اعتبار الواجب الوزاري حاجة ملحة بالنسبة الى استيعاب المرجو من الموازنة من غير حاجة الى مساجلات سياسية عند طرح الافكار. وهذا بدوره معمول به في الدول التي تعرف كيف تستفيد من كل قرش ومن عامل الوقت ايضا، فكيف اذا كنا في وضع "لا معلقة موازنتنا ولا مطلقة" منذ سنوات!
واذا كان هناك من يتحدث عن رهان سياسي صعب من الضروري الخوض فيه عند مناقشة بنود الموازنة، يصبح من الضروري ان تكون الارقام بمستوى ما هو متوافر في خزينة الدولة، بل في المستوى الذي يسمح بتوضيح صورة مالية الدولة التي لا تعني من هم في السلطة بقدر ما تعني كل مواطن، حيث الحديث عن الدين والجباية والرؤية من ابرز ما على الحكومة توضيحه!
اما الكلام الاخر على رفض فرض ضرائب جديدة مهما اختلفت الظروف، فهو كلام باطل لا محل له في الاعراب المالي – الاقتصادي، ان كان عبر ضريبة القيمة المضافة او من خلال اختراع ضرائب امر واقع، بحسب ما هو معمول به في معظم الدول الكبرى التي تشكل مديونيتها الداخلية ارقاما مضاعفة من ماليتها العامة، بدليل الديون الاميركية القائمة على تحديد حاجة الخزينة وليس حاجة المواطن؟!
يقال عندنا ان ثمة من يخشى الخوض في تفاصيل المديونية، طالما هناك مرافق عامة تستنزف خزينة الدولة من غير ان تجد من يتصدى لها بقوة القانون وبالمنطوق المالي – الاقتصادي للدولة، مثل مؤسسة كهرباء لبنان المستمرة في هدر ملايين الدولارات يوميا، فيما لم يقل المنتقدون ماذا فعلوا بل ما هي مشاريعهم ورؤيتهم لتصحيح وضع مؤسسة الكهرباء؟!
وهناك مشاكل مالية – اخرى من نوع الهدر في الوظيفة الذي يتحدث السياسيون عنه حينا ثم يصمتون احيانا، بالقياس على مدى افادتهم من الوظيفة. وهذا ما سبقت الاشارة اليه في التقارير اللبنانية التي تم البحث في تفاصيلها في مؤتمر باريس -2 وباريس -3 من غير تحديد منهجية المعالجة وما اذا كانت السلطة في لبنان قادرة، او تريد ان تتصدى لمثل ما يعكس الهدر في الوظيفة وفي مشاريع القطاع العام غير المؤهلة لان تؤمن التمويل الذاتي في وقت قصير (…)
وفي المقابل، ليس بوسع القوى السياسية ان تحدد ماهية ارقام الموازنة في حال لم تعرف كيف ستصرف وكيف ستجبى في سياق مالي متوازن، كي لا تبقى الدوامة قائمة في حال لم تختلف طريقة التعاطي مع المال العام، ان من خلال بعض القطاعات غير المنتجة او عبر مشاريع لا افق اقتصاديا – ماليا لها في المستقبل المنظور (…)
المهم اكثر، ليس تأمين بعض السياسيين حالا من الارضاء الذاتي عند البحث في ارقام الموازنة، طالما ان المتغيرات غير محسوبة بدقة متناهية. وهذا ما على كل وزير ان يحدده ويسأل نفسه عنه من خلال وزارته والادارات التابعة لها، قبل التفكير في خوض مناكفة على خلفية اللون السياسي او الانتماء الحزبي، ولا اخطر من كل ما تقدم هو البقاء في دوامة افتقاد الثقة بما بوسع الحكومة فعله، في حال كان توافق في الافق والروية وليس مجرد توافق على الارض؟
حسنا فعل مجلس الوزراء عندما حدد موعدا جديا لدرس ومناقشة الموازنة واقرارها، مع العلم ان الارقام ستبقى خاضعة لما سيطرأ عليها جراء المداخلات النيابية، من دون حاجة الى اعتبار المجلس سيد نفسه عندما تكون الامور مسبوقة بتفاهم اوسع يقال عنه في اللغة السياسية انه "تفاهم الامر الواقع"، بل "تفاهم المصالح المشتركة" .
وفي كلام لاحد نواب قوى 14 اذار عن انه يعول على مشاركة فصيل سياسي معين في مناقشة ارقام الموازنة "لتتأمن شفافيتها المرجوة" . وهو كلام حق يراد به باطل، لان الرقم المقصود في الموازنة يتحدث عن شفافيته بذاته (…) وبنسبة عمل السلطة التنفيذية بموجبه كحال ايمانية لا تحتمل التأويل السياسي والشخصي!
ومن الان الى حين معرفة كيف ستكون عليه الموازنة، لا بد وان يكون كلام تطميني يفهم منه الشكل وليس المضمون. ويكفي القول في هذا السياق ان من ضمن نية الحكومة منع الهدر في مؤسسة كهرباء لبنان لاخذ ارقام الموازنة على اساس انها مرشحة لان تكفل شفافيتها الذاتية والعكس صحيح؟!