بعد أن سادت مفاهيم الصراعات والنزاعات طوال القرون المنصرمة بسبب الظروف الدولية التي كانت الحروب تتحكم فيها برزت اليوم مفاهيم أخرى مثل التعاون والسلم الدولي والأنفتاح والديمقراطية، لتعبَر عن واقع جديد يعكس سعي المجتمع الدولي الى تحقيق الأمن والتقدَم. وقد استجاب النظام الدولي لهذا الجنوح، فسلكت الشعوب سلوك التعاون لتحقيق ديمقراطية قائمة على احترام الآراء والأتجاهات المختلفة.
ولما كانت الدولة هي بيئة التفاعل والمحرَك الأساس للقوى والأنتماءات، كان لا بدَ من تحديد دور الدولة في تنفيذ متطلبات التطور الديمقراطي. وقد برز في هذا المجال رأيان: يدعو الأول الى وجود سلطة قوية تمارس الأشراف المباشر على الأجهزة والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية، في موضوع ضبط متطلبات التطور الديمقراطي. في حين يدعو الثاني الى تقليص سلطة الدولة على اعتبار ان المؤسسات غير الحكومية قادرة على ضبط العملية الديمقراطية وتقييمها.
ان مناقشة الرأيين نظريا لن تجدي نفعا. من هنا تجدر الأشارة الى ان تطور الديمقراطية يستند الى رفع مستوى الوعي السياسي لقيم المشاركة والتعددية، ويحتاج الى مجتمع ناضج وحديث ولا يتعارض مع وجود دولة قوية ولكن منفتحة وحديثة.
ان ضعف الدولة في المجتمعات التعددية يؤدي الى تدعيم الأنتماءات العائلية والدينية والعشائرية – أي الأنتماءات الأدنى من الأنتماء الى الدولة – وتقليص احتمالات التطور الديمقراطي بسبب شيوع ثقافة غير ديمقراطية قائمة على التعصَب والأنغلاق والجمود.
ان نظرة الى واقعنا تشير الى وجود بطء في التطور الديمقراطي، يعود الى أسباب أهمها:
1)ضعف الثقافة الديمقراطية في المجتمع، والذي يتمظهر في ضعف الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب والتيارات السياسية ومنظمات المجتمع المدني.
2)وجود مخاوف متقابلة، بمعنى ان كل قوة سياسية تخشى احتكار غيرها للسلطة أذا وصلت اليها.
3)أزمة التنمية الأقتصادية، اذ ان ارتفاع مستوى المعيشة ضروري لزيادة المشاركة السياسية. فهذه تتنامى كلما تحسَن الأداء الأقتصادي واتسع حجم الطبقة المتوسطة، وارتفع بالتالي منسوب الوعي العام.
ان الديمقراطية ليست مجرد مؤسسات سياسية أو انتخابات أو تعددية حزبية، بل هي أيضا تحوَلات عميقة في بنية المجتمع وفي الثقافة السياسية. فالديمقراطية هي عملية بناء وتأسيس تبدأ بالأنسان. وهي نهج من شأنه توسيع رقعة الحريات السياسية وتعزيز المشاركة الجماهيرية في صناعة القرار.
ان النظم السياسية وصلت الى مأزق سياسي ايديولوجي، بحيث ان المرجعيات التقليدية تآكلت وفقدت مصداقيتها. وبالتالي اصبحت التنمية ضرورة لمصلحة النظام ومصلحة الشعب. ان ضعف الديمقراطية مردَه الى غياب مفكَرين ديمقراطيين متنوَرين في مراكز القرار الرسمي والشعبي، قادرين على بلورة رؤية تربط بين عالمية الفكرة الديمقراطية وبين عملية استثمارها بما يتلاءم والخصوصية الوطنية.
ان عملية التحوَل نحو البناء الديمقراطي تستلزم وجود ثقافة سياسية مهمتها ترسيخ وعي وادراك للمجتمع السياسي، أي التركيبة المؤسساتية التي تضطلع بوظائف التمثيل والتأطير والدمج والتنشئة والتنمية. ان وجود ثقافة سياسية من شأنها ان تسمح باستيعاب هذه الوظائف وعدم التصادم معها، لهو المرتجى.
ان الديمقراطية لا تقوم على القوانين فقط، بل على نوعية الثقافة السياسية المنخرطة في عملية البناء الديمقراطي. من هنا تبرز الحاجة الى تبصير الشعب بأحقيَة مبدأ الديمقراطية من خلال مؤتمرات ولقاءات ومنشورات وندوات تثقيفية لزيادة الوعي، فتتحقق الوحدة في ظل الأختلاف، والأنصهار في ظل التباين بهدف الوصول الى المواطنة المشتركة.