لعل ابرز ما تمخضت عنه انتخابات محافظتي الجنوب والنبطية البلدية والاختيارية يوم الاحد الفائت حقيقة هامة ومدوية برسم الجنرال عون الا وهي وفضلا عن تراجع كبير في نسبة المؤيدين له وللتيار الوطني غير الحر – سقوط ورقة التفاهم بينه وبين "حزب الله" على ابواب القرى والمدن المسيحية الجنوبية والحدودية حيث حققت قوى "14 اذار" وتحديدا "القوات اللبنانية" فيها انتصارات سياسية كبيرة ولافتة.
طبعا كنا نتمنى من الاساس ان تبقى الانتخابات البلدية والاختيارية محصورة بنطاقها الانمائي الصافي – لاننا لسنا في المبدأ من محبذي تسييس الانماء والتنمية والملفات المعيشية والحياتية – ولكن التيار الوطني غير الحر ارادها معارك سياسية واستفتاءات سياسية وفرص لتسجيل اهداف سياسية – فكان له ما اراد وكانت النتائج بالارقام المؤشرات الواضحة والدلالات المعبرة عن سقوط هذه الهالة "الكارتونية" التي لطالما ادعى التيار ورئيسه تمتعهما به.
ولنكون اكثر دقة في كلامنا نتوقف عند الاتي:
اولا: لقد بينت النتائج الاولية الى الان ان قوى "14 اذار" وخاصة "القوات اللبنانية" خرجت المنتصرة الاكبر في المعركة – لاسيما في قرى شرق صيدا والشريط الحدودي ذات الوجود المسيحي الضاغط – وفي ذلك تعبير صارخ ومعبر عن عدم ارتياح اخوتنا اللبنانيين في القرى والبلدات والمدن المسيحية الى الوضع القائم هناك – ولا سيما الى الاحتكار "الوقح" للثنائي "امل – حزب الله " للقرار فيها – فالمسيحيون في المناطق الجنوبية لم يعد مزاجهم – وقد لا يكون يوما كما يصوره التيار منذ زمن – متجاوب مع سياسات التيار وتوجهات الجنرال الذي جنح الى اقاصي الذمية السياسية – وقبل بالامر الواقع على حساب الثوابت والحقائق التاريخية للوجود المسيحي في لبنان والشرق والجنوب اللبناني من ضمنه.
ثانيا: كما يقول المفكر السياسي مكيافيل: الانتصار يتحقق بمجرد تراجع الخصم ولو لم يحقق تقدما – فكيف اذا كانت قوى "14 اذار" و"القوات اللبنانية" تحديدا قد حققت ما حققته في اكثر من قضاء ومنطقة وقرية وبلدة في محافظتي الجنوب والنبطية من انتصارات وفوز كاملين اما منفردة واما من ضمن تحالف قوى "14 اذار"؟
ان المعركة الانتخابية في الجنوب كانت حقا بنظرنا معركة الصرخة الجنوبية الحقيقية للحق – معركة اسقطت الاقنعة وبينت حتى ضمن مناطق نفوذ الثنائي "امل – حزب الله" تنامي تنوع سياسي ونوع من تعددية ترفض الامتثال "الاعمى" لاملاءات وتوجيهات هذا الثنائي الذي بات يتحكم بصورة مفضوحة بخيارات الناس ويفرض عليهم اولوياتهم.
ثالثا: يجب ان لا يغيب عن بال احد ولو لحظة واحدة ان اساس المعركة لا يزال هو هو: صراع بين مدرستين فكريتين – مدرسة السيادة والاستقلال والحرية ومدرسة الالحاق والالتحاق والتبعية والذمية – وهذا هو جوهر المعارك كلها في لبنان – مهما قيل عن طابع انمائي وتنموي للمعارك البلدية والاختيارية وروجت قوى "8 اذار" لذلك حيث يناسبها اصباغ الصفة الانمائية وعدم ترددها في اعتبار المعركة سياسية حيث يناسبها –فالقوات اللبنانية اثبتت وتثبت كل يوم انها متجذرة في لبنان وفي صميم المجتمع المسيحي في كل بقعة من بقاع لبنان – وان المزاج الشعبي المسيحي يصب في صالحها اكثر من التيار الوطني وفي كل الاحوال تصاعديا وبخطى ثابتة وأكيدة.
فالمعارك البلدية والاختيارية هي في النهاية وفي ظل الوضع الاصطفافي القائم في البلد وجه اخر من وجوه الصراع السياسي القائم – والانماء كما الاقتصاد كما الاجتماع كما الثقافة باتوا كلهم عناوين سياسية لمعركة وجود او عدم وجود لبنان السيد الحر والمستقل – مهما حاولوا تصوير الوضع وتحجيم الامور خدمة لمصالحهم وتلميعا لصورتهم.
من هنا فاننا نرى ان المعركة الانتخابية البلدية والاختيارية اثبتت بداية افول لوهج مزيف اعتمدته الحركة العونية اساسا لتكبير حجمها على الساحة اللبنانية والمسيحية – بحيث اثبتت التجربة الانتخابية، انها كانت على الدوام تبني "اكثريتها التمثيلية " المزعومة على العنصر غير المسيحي، بحيث عندما تركت لوحدها في ساحة المبارزة الانتخابية المسيحية كشفت عن حقيقتها وعن زيف ادعاءاتها – وهنا الدرس القاسي الذي نأمل ان يخرج منه الجنرال وتياره الوطني غير الحر.
انها ورقة التين التي سقطت عن العونيين حتى في قلب مدينة جزين حيث لم يعد للتيار العوني دورا احاديا احتكاريا فاعلا مع تقارب الارقام وتضييق هوامش الفروقات .
فهل يتعظ الجنرال … ومعه من يجب ان يتعظ …