#adsense

قراءة سياسية في نتائج الجولة الجنوبية البلدية

حجم الخط

شكلت المرحلة الثالثة من الانتخابات البلدية في محافظتي الجنوب والنبطية مفاجأة سياسية بكل ما للكلمة من معنى، وهذه المفاجأة مردها إلى الحيوية الاستثنائية وغير المتوقعة التي أظهرها الناخب المسيحي في مختلف القرى المسيحية الجنوبية، خلافا لكل التقديرات وحتى الأكثر تفاؤلا من بينها التي كانت وضعت هذه الجولة في إطار "لزوم ما لا يلزم" باستثناء معركتي صيدا وجزين، وذلك بسبب الأمر الواقع القائم في هذه المنطقة، وهو شبيه إلى حد كبير بالوضع الذي عاشته البلاد إبان الوصاية السورية على لبنان، حيث كانت الانتخابات مجرد محطة فولكلورية مضبوطة الإيقاع ومعلومة النتائج.

فالمواطن الجنوبي، ويا للأسف، لم "يتذوق" طعم الحرية لا بعد الانسحاب الإسرائيلي في 25 أيار 2000 ولا تحديدا بعد الخروج السوري من لبنان في 26 نيسان 2005، هذا الخروج الذي فك أسر لبنان من قبضة سوريا وأعاد الاعتبار إلى الممارسة الديمقراطية الصحيحة والحياة السياسية السليمة التي أعاد تعكيرها "حزب الله" برفضه الانضمام إلى الإجماع اللبناني وبالتالي الاستقلال الثاني. ولكن على رغم تمسك الحزب بوظيفته غير اللبنانية وسلاحه غير الشرعي ودفعه المتواصل باتجاه شل عمل الدولة وتكبيلها، وعلى رغم أيضا الظروف الأمنية والسياسية التعطيلية التي عاشتها البلاد في السنوات الخمس الماضية، تحولت الانتخابات النيابية وحتى النقابية والطالبية إلى منازلات فعلية بين مشروعين وتوجهين استطاعت بموجبها القوى الاستقلالية تأكيد حضورها وأرجحية خيارها لدى الشعب اللبناني.

ولعل هذا المناخ من الفرز السياسي الناشئ منذ انتفاضة الاستقلال لم ينسحب على الواقع الجنوبي الذي يعتبره "حزب الله" خطا أحمر، إذ من غير المسموح بنظره إظهار أي تناقض بين "المقاومة" والبيئة الجغرا- طائفية التي يفترض بها احتضانها، لأن أي خلل من هذا القبيل سينعكس على صورة هذه "المقاومة" ودورها، ما يؤدي إلى التشكيك بتمثيليتها وإضعاف حضورها وخلق هوة أو ثغرة يصعب ردمها أو لجم اتساعها في المستقبل. وهذا بالإضافة إلى أن وجود القوات الدولية والدولة اللبنانية بأجزهتها المختلفة جنوب الليطاني لا يتعدى الوجود الصوري، وليس المقصود التقليل من الارتياح الجزئي الذي يخلفه هذا الوجود لدى المواطنين، إنما هذا الارتياح يبقى جزئيا إذ أن بإمكان "حزب الله" استدعاء أو إحضار أي كان في مطلق أي وقت، خصوصا بأنه في عرف الحزب القوات الدولية هم بمثابة رهائن لديه، ويبدو أن هذه "القوات" تعمل بشكل أو بآخر على مداراته عبر التنسيق سياسيا وأمنيا معه أكثر من تنسيقها مع الأجهزة الرسمية التي تعمل أساسا لحسابه، مما يجعل هذه المنطقة عمليا خاضعة كليا لمشيئة "حزب الله" وإرادته.

تأسيسا على ما تقدم، لا يمكن إطلاقا إغفال العامل المعنوي في هذه الانتخابات، وهو عامل أساسي ومؤثر ومرجح، الأمر الذي يدفع المرشح والناخب إلى التفكير مليا قبل الإقدام على أي خطوة أو إطلاق أي موقف. فإذا كان أي مواطن على سبيل المثال أو سياسي لبناني يحسب ألف حساب قبل أن يتخذ موقفا صريحا من "حزب الله" وسلاحه نظرا لغياب المظلة السياسية الواقية أو شبكة الأمان الدولتية التي تحمي حرية القول والتعبير، فكيف يمكن بالحري لابن الجنوب أن يواجه هذا الأمر الواقع وهو يخضع لعملية ترهيب متواصلة وابتزاز مستمرة ومقيد في حركته ويمارس الرقابة الذاتية على أقواله؟

لا شك أن الوضع في الجنوب اليوم هو صورة طبق الأصل عن وضع لبنان ما قبل الانسحاب السوري، وأهل الجنوب هم إما ملحقين بحركة "أمل" وظيفيا وخدماتيا، باعتبار أن الرئيس نبيه بري هو المعبر الالزامي لكل مواطن جنوبي إلى مؤسسات الدولة، وإما خاضعين لمشيئة "حزب الله" أمنيا وعسكريا، وهذا ما يجعل الجنوب بحكم الساقط سياسيا في قبضة "الحزب". ولكن على رغم من كل ذلك، لم تختلف مؤشرات الجولة الثالثة البلدية عما سبقها في الجولتين السابقتين، ومن أهم هذه المؤشرات:

أولا: على المستوى المسيحي

شكلت المشاركة المسيحية الكثيفة ترشيحا واقتراعا في البلدات المسيحية الجنوبية كافة علامة فارقة، وهي إن دلت على شيء فعلى خلع المسيحيين في تلك المنطقة رداء الإحباط بعد عقود من الانكفاء نتيجة الأوضاع السياسية المعلومة، وقد عبروا من خلال هذه المشاركة اللافتة عن حرصهم على ممارسة دورهم وإعادة إمساكهم بقرارهم المحلي. ولعل ما يضف الأهمية على المشاركة المسيحية الكثيفة هو طابعها السياسي، حيث حققت قوى "14 آذار" عموما و"القوات اللبنانية" خصوصا انتصارات واضحة ومهمة في جزء واسع من القرى المسيحية الممتدة من أقضية جزين والزهراني وصيدا مرورا بمحيط مرجعيون والقليعة وصولا إلى بنت جبيل وعين ابل، كما أثبتت وجود وحضور في بعضها الآخر.

ثانيا: على المستوى السني

إن فوز تيار المستقبل في صيدا وكافة القرى السنية في قضاء صور جاء ليؤكد مرة إضافية التفاف الشارع السني بشأن خيارات هذا التيار الوطنية، وما يميز "أحادية" التيار إذا جاز التعبير عن آحادية "حزب الله" هو أن قوة المستقبل متأتية من سياساته لا من سلاحه ومن ثم يشكل قوة حاضنة لحيثيات سنية مناطقية على غرار الرئيس نجيب ميقاتي والنواب تمام سلام ومحمد الصفدي وأحمد كرامي وعماد الحوت (النائب عن الجماعة الإسلامية)، وهذا إلى جانب محافظته على قنوات التواصل مع الرئيسين سليم الحص وعمر كرامي، والاستثناء الوحيد في هذا المجال هو أسامة سعد والتنظيمات الأصولية المحركة من قبل "حزب الله" وسوريا، بينما "حزب الله" هو قوة لاغية للحيثيات الأخرى الحزبية والعائلية والمستقلة داخل البيئة الشيعية.

ثالثا: على المستوى الشيعي

لقد بات من الواجب الحديث بعد جبيل والضاحية وبعلبك والجنوب عن بروز معارضة شيعية لثنائية "حزب الله" – "أمل" مشكلة من العائلات والمستقلين واليساريين، بحيث لم تعد العملية مجرد ظاهرة موسمية محصورة وعابرة إنما التململ الموجود هو تململ بنيوي، وقد استطاعت هذه المعارضة أن تخوض معارك نوعية في عدد من القرى والبلدات وأن تثبت حضورها. ومن المفيد في هذا الإطار تسليط الضوء على ما ذكرته صحيفة النهار في 25 الجاري من "أن العامل اللافت الذي برز في النتائج الرسمية تمثل في مجموعة اختراقات لا يستهان بها للوائح التوافقات الثنائية حققها مستقلون ويساريون في أكثر من15 بلدية في أقضية صور ومرجعيون والنبطية وبنت جبيل"، خصوصا أن الثنائي الحزبي كان بذل كل ما في وسعه لكي تتم الأمور "بالتزكية" و"التوافق"، أي من دون معركة، ولكنه لم ينجح.

فما حصل ويحصل داخل البيئة الشيعية هو كناية عن نشوء حالة سياسية جديدة لا يمكن وضعها في خانة "14 آذار" ولا احتسابها على الثنائية الحزبية، إنما هي بمثابة توجه معارض للوضع القائم على غرار المعارضة الإيرانية بعد الانتخابات الرئاسية في حزيران الماضي، وهي إن كانت لا تتناقض مع أساسيات النظام في طهران غير أنها أكثر عقلانية في مقارباتها وتوجهاتها على مستوى الداخل الإيراني وعلاقاته مع الخارج الدولي والعربي والشيعي داخل الأنظمة العربية. وقد عبرت بعض الأوساط عن مخاوفها من إقدام حزب الله على ضرب هذه الحالة الناشئة التي ستشكل على المدى التطويل تهديدا جديا لوضعيته السياسية.

رابعا: صيدا

انتهت معركة صيدا إلى تثبيت وتكريس تيار المستقبل لوجوده السياسي والشعبي في صيدا وإلى إلغاء الثنائية السياسية التي حكمت المدينة منذ الطائف بإرادة سورية واضحة حاول "حزب الله" إعادة الاعتبار لها ولكنه لم يفلح. ومع هذا الاستحقاق البلدي تكون صيدا قد خرجت من عصر "التنظيم الناصري" لتدخل في عصر المستقبل. أما أسامة سعد فسيبقى مجرد رقم سياسي يتكئ على قوة موروثة إنما غير مؤثرة في الاتجاهات السياسية الصيداوية العامة. وبذلك تكون معركة صيدا أطلقت عملياً عهداً سياسياً جديداً في المدينة على قاعدة نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة.

خامسا : جزين

الفوز في جزين كان بمثابة حياة أو موت بالنسبة للتيار الوطني الحر بعد سلسلة الانهيارات التي أصابته في الجولتين الأولى والثانية، إضافة إلى أن خسارته في هذه المدينة كان سينعكس سلبا على آخر معاركه المفصلية في البترون، بينما الفوز بالنسبة إلى 14 آذار كان حاجة ماسة إن للإمساك بالواقع الإنمائي-السياسي من البوابة المسيحية الجنوبية أو للتسريع في عملية انهيار الحالة العونية. بيد، وعلى رغم من ذلك، جاءت النتائج لتؤكد التراجع المتواصل في الشعبية العونية، إذ في أقل من عام على الانتخابات النيابية سجل تراجعا مهما بمئات الأصوات بينما القوات اللبنانية سجلت تقدما لافتا بمئات الأصوات. فصحيح بأنه فاز بلديا ولكنه تراجع رقميا، وهذا من المؤشرات الثابتة في الجولات الثلاث البلدية، خصوصا أن النتيجة جاءت لصالحِه بفارقٍ ضئيل جداً غير كافية لترميم وضعه على الصعيد الوطني.

وإذا كان لا يمكن وضع أصوات النائب السابق ادمون رزق والسفير السابق سيمون كرم، اللذين أدى تموضعهما إلى حسم المعركة لمصلحة لائحة التيار الوطني الحر، في الخانة العونية، لأن الرجلين يقفان على الأرض السيادية، غير أن الاعتبارات الشخصية أدت بهما إلى الاصطفاف في الموقع الخاطئ، وهما يتحملان تداعيات هذه المسألة وطنيا، لأن فوز عون هو تعزيز إضافي لوضعية "حزب الله" الذي سارع أمينه العام إلى القول ان "فوز لائحة التيار الوطني في جزين هو تأكيد على صوابية خياراتنا السياسية". فالخصومة "التاريخية" مع سمير عازار لم تكن تستأهل هذا الموقف منهما في انتخابات بلدية لن تقدم أو تؤخر في وضعهما بينما هي مصيرية على مستوى عون و"حزب الله" الذي بعث برسالة واضحة مفادها بأن عون لا يمكن أن يخسر في مناطق نفوذه.

أما لجهة التحالف مع النائب السابق سمير عازار، فهو من العائلات التاريخية في جزين، ولا يمكن المقارنة بين التحالف مع الرئيس نبيه بري بواسطة عازار والتحالف بين "التيار" و"حزب الله" لجملة أسباب أهمها:

أ‌- ما يجمع التيار بالحزب هو تحالف سياسي استراتيجي مبني على وثيقة تفاهم فوق دولتية انتقل بموجبها عون من ضفة إلى أخرى ومن موقع إلى آخر.

ب‌- التقاطع مع الرئيس بري هو "مجرد" تقاطع انتخابي ظرفي، وهذا التقاطع يحصل إجمالا في الانتخابات النيابية فكيف بالحري في الانتخابات البلدية.

ج- يفترض التمييز بين حركة أمل وحزب الله ليس من زاوية الرهان على فصلهما، علما بأن ما جمعهما هو الضغط السوري-الإيراني والمال الإيراني لبري كشرط لاستمراره بهذا التحالف واختلال التوازن الشعبي-العسكري لمصلحة حزب الله، فالتمييز بين الحركة والحزب ضروري لأن أهداف الأول سلطوية على غرار الأحزاب الأخرى بينما أهداف الثاني دينية – أيديولوجية، وهو يسعى لتغيير وجه لبنان بدءا من بيئته التي دخلت معه في ممارسات وأعراف وتقاليد غريبة عن نمط عيش اللبنانيين وفي طليعتهم الشيعة.

د- لعل هدف المعركة، بمعزل عن طبيعة التحالفات، هو إسقاط الحالة العونية في جزين، وبالتالي التحالفات تصبح مشروعة مع أي كان لتحقيق الهدف المطلوب.

هذا في الجانب المسيحي، أما من الزاوية الشيعية فالمعركة في جزين هي بين "حزب الله" و"حركة أمل" أيضا، والتي يبدو  أن الأخيرة ليست بعيدة عن حركة العائلات "المتململة" التي عبرت عن وجودها في هذا الاستحقاق البلدي.

شكلت المحطة الثالثة البلدية إذا مفاجأة سياسية، إذ بعدما استبعدت كل التقديرات الخروج بأي مؤشرات تذكر من المعركة الجنوبية، جاءت النتائج مخالفة تماما، من المزاج السني الـ14 آذاري الحاسم إلى التفلت العائلي الشيعي من القبضة الحزبية في أكثر المناطق حساسية ودقة بالنسبة إلى حزب الله، وما بينهما الحيوية المسيحية الـ14 آذارية التي ستؤسس عاجلا أم آجلا لدينامية سياسية تعيد الاعتبار للوجود السياسي لمسيحيي الأطراف عموما ومسيحيي الجنوب خصوصا.

خبر عاجل