هل يمكن فصل خطاب ذكرى التحرير عن الظروف السياسية المواكبة ؟
رسالتان لنصرالله: توازن الردع والرد على العقوبات
شكل خطاب الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في ذكرى تحرير الجنوب في 25 ايار موضوع متابعة، شأنه شأن كل خطاباته او غالبيتها، مع حرص على قراءة الخطاب الاخير من ضمن الظروف السياسية الراهنة والمؤشرات التي يلمح اليها في هذا الاطار باعتبار ان المسألة تتعدى مناسبة ذكرى التحرير الى ما هو ابعد منها. ففي الظروف السياسية برزت زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري لواشنطن ولقاءاته مع الرئيس الاميركي باراك اوباما وسائر المسؤولين الكبار في الادارة الاميركية. وفي الشق اللبناني برز ايضا الكلام الكثير المتواصل على حرب محتملة تشنّها اسرائيل على لبنان لا تزال في الافق ويذكيها كثر على رغم تطمينات ديبلوماسية وسياسية متعددة من جهات دولية عدة الى امكان ان يعبر لبنان الصيف المقبل بهدوء من دون حرب، لكن من دون ضمانات لما هو ابعد من ذلك. وفي الظروف السياسية ايضا العقوبات الدولية التي يتجه مجلس الامن الى فرضها على ايران والتي بات مسلما بها الى حد بعيد بموافقة روسية وصينية، فاوضت كل من روسيا والصين الولايات المتحدة على ثمن لها في مقابل الموافقة على العقوبات، رغم عدم رغبة الصين وروسيا في رؤية ايران تمتلك سلاحا نوويا. وقد بدا ايضا ان ايران تسلم بحتميتها منذ لجوئها الى اتفاق بواسطة تركيا والبرازيل استباقا للعقوبات ولمنع حصولها في اللحظة الاخيرة. وفي هذه الظروف ايضا بدا أن ثمة من تابع الخطاب في ضوء ما نقل عن الرئيس السوري بشار الاسد من طمأنة وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير الذي زار سوريا ولبنان اخيرا الى ان لا سوريا ولا "حزب الله" معنيان بشنّ حرب على اسرائيل راهنا. وهذا الكلام على لسان الرئيس السوري يعيد الى الواجهة واقع الـتأثير السوري المباشر والقدرة على التحكم من لبنان او جنوبه في التحولات الاقليمية واللبنانية ايضا.
ورأى كثر أن خطاب نصرالله تجاوز ذكرى التحرير لايصال رسائل في اتجاهات عدة قد يكون من بينها ما يستهدف زيارة الحريري لواشنطن او بالاحرى مضمون اللقاءات التي عقدها في ظل سعي الحريري الى تأمين ضمانات اميركية لعدم شن اسرائيل حربا على لبنان بعد تهديداتها الاخيرة. كما قد يكون من بينها ما يمكن ان يفهمه البعض من ان الحزب هو فعلا من يمسك بناصية قرار على مستوى الدولة لا يحق لاحد ان يتخذه سواها، بما يؤكد بوضوح واقع الدولة من ضمن الدولة بالنسبة الى هؤلاء ويهمش مؤسساتها. لكن آخرين رأوا بعداً اقليميا في الخطاب يتخطى التفاصيل اللبنانية. واعتبروا ان هذا الامر، أي واقع تأكيد الدولة من ضمن الدولة او القرار الذي يتجاوز مؤسساتها، ليس واقعيا في ظل اصرار الحزب أقلّه رسمياّ وعلناً، على تأكيد معادلة يبدو متمسكا بقوة في التشبث بها في المرحلة الراهنة، أي معادلة الشعب والجيش والمقاومة ضمانا لحماية متعددة. والمسألة وفق هؤلاء ليست في تأكيد السيد نصرالله امتلاكه اسلحة تهدد اسرائيل بحصار بحري اضافة الى التهديد البري. فواقع الضجيج الاخير على صواريخ "سكود" وتزويد سوريا الحزب اياها اكد، ولو في معرض النفي، الاقرار دوليا بامتلاك الحزب اسلحة متطورة بغض النظر عن ماهيتها وطبيعتها. كما اكد تخطيه بمراحل قدرة الجيش اللبناني على التسلح من أي مكان وتوفير هذا السلاح.
لذلك فان الجديد في مضمون خطاب الامين العام للحزب وفق ما يراه المتابعون المهتمون هو رفع وتيرة التهديدات، متزامنة مع تشديده على عدم قرع طبول الحرب او التحدي بما يمكن ان يجرّ على لبنان حربا لا يبدو الحزب راغبا فيها وفق ما قال نصرالله، مؤكدا هذا الامر اكثر من مرة في خطابه. وشدد على أمرين، احدهما هو توازن الرعب وفق ما ضمنه خطابه بين قدرة اسرائيل العسكرية وقدرة الحزب العسكرية الموازية ايضاً، والآخر هو الضرورة الاقليمية التي تشكلها العقوبات على ايران. فالتهديدات لاسرائيل هي برسم الولايات المتحدة في الدرجة الاولى وتشكّل هدفا من نقطتين على الاقل: النقطة الاولى هي التأكيدات الاميركية المتواصلة والمتجددة اخيرًا بعد توتر العلاقات الاميركية – الاسرائيلية بحماية امن اسرائيل والحرص عليه في حين ان تهديدات السيد نصرالله تعني انه لا يستهدف امن اسرائيل فحسب انما ايضا وجودها. والنقطة الثانية هي في التعبير عن امتلاك الحزب السلاح القادر على خربطة مصالح الولايات المتحدة من ضمن حرص ادارة اوباما على تحريك المفاوضات غير المباشرة بين اسرائيل والفلسطينيين، في ظل ضغط اميركي غير مسبوق على اسرائيل للتجاوب في هذا الاطار. والمغزى من كلام نصرالله تحذيري من حيث القدرة على تعريض امن اسرائيل للخطر، الامر الذي لن ترغب فيه واشنطن، وكذلك الحال بالنسبة الى المفاوضات غير المباشرة. وتاليا فان التوتر بين محورين اساسيين يحصل عبر التهديد بكل ما يملكه احدهما وما يستطيع استخدامه في المواجهة الكلامية حتى الآن.