#adsense

بدعة التوافق وتغييب المعارضة

حجم الخط

"الضد يظهر حسنه الضد.. وبضدها تتبين الأشياء"
بدعة التوافق وتغييب المعارضة

في عالمنا العربي بدعة اسمها الإجماع، أي أن يجمع كل المجتمع، أو ما يوازي 99,99 بالمئة من الجمهور على رأي وتوجه بكل تفاصيله، وهذا يؤدي بالمحصلة المنطقية الى طغيان منطق واحد يلغي ويقصي كل الآراء والتوجهات الأخرى بحكم الترهيب الفكري والاجتماعي. وهذا عادة ما نشهده في الاستفتاءات المتعددة التي تجري في عالمنا وحتى في معظم الانتخابات المعروفة النتائج سلفاً.

وبالمحصلة لهذا الواقع نشهد تغييباً وإلغاء وتجاهلاً لأي منطق معارض هو في صلب الفلسفة الديموقراطية في شكلها الحديث التي تعتمد على التوازن الدقيق بين الحكم والمعارضة.

وإن كان دور الحكم مفهوماً وهو ممارسة السلطة وإدارة الحكم بكل جوانبه فإن دور المعارضة يتمحور حول مسألة الحكم ومحاسبته أمام المواطنين. وتمثل المعارضة أيضاً ما يسمى الحكومة البديلة من خلال انتقاد سياسات الحكومة القائمة وتقديم البدائل لهذه السياسات.

لذلك فإن من واجب المعارضة تسليط الضوء على مكان الخلل في مسار الحكم وشرح الأخطاء أمام الجمهور ما سيدفع المسؤولين إما الى الدفاع عن سياساتهم، وإما إلى الاضطرار لإصلاح الأخطاء قبل تفاقمها. وتلعب المعارضة دوراً أساسياً في المسار التشريعي من خلال المشاركة في اللجان النيابية التي تدرس القوانين. وهذا لا يعني أبداً أن المعارضة هي رفض كل سياسات الحكم، فقد تؤيد بعض السياسات أحياناً إذا توافقت معها.

هذا يعني أن وجود المعارضة القوية هو الضمانة الوحيدة للحكم السوي، فمن ناحية تضع المعارضة القوية القوى الحاكمة تحت ضغط المساءلة والمراقبة ما يجبرها على التأني في اتخاذ القرارات ودراسة جدواها وقبولها من قبل المواطنين، ومن ناحية أخرى فإن المعارضة تبقى صمام أمان لاستمرار الحكم في حال سقوط الحكم وفشل سياساته، ويعطي المواطنين الأمل بوجود بدائل.

ولكن بعض الأمثلة قد تؤدي الى نجاح معارضة ما من خلال المشاكسة الصرفة للحكم وبعض الطروحات الشعبوية التي تتلاعب بعواطف المواطنين، ولكن صمام الأمان يبقى من خلال تداول السلطات الدوري الذي سيضع المعارضة المنتقلة الى الحكم في موقع المساءلة عاجلاً أم آجلاً أمام المواطنين وأمام المعارضة الجديدة.

واقع التوافقات اللبنانية

انطلاقاً من هنا، فقد استغربت الى حد الاستنكار تصريح أحد النواب الجنوبيين العريقين عندما قال إن التوافق هو أرقى أنواع الديموقراطية، وهذا يعني أن إلغاء إمكانية التنافس وإجبار المئات من المرشحين المستقلين "حياء" من مخالفة "الإجماع" هو أحد "أرقى أنواع الديموقراطية". وهذا ما حول مناسبة الانتخابات البلدية الى "عرس للديموقراطية" حسب تصريح نائب آخر، يعني مناسبة أخرى للطبل والزمر والأهازيج تحت شعارات شعبوية تفرغ الانتخابات من مضمونها التنافسي وتجعلها مناسبة لتجديد العهد دون حساب أو مساءلة.

والظاهرة الأخرى غير الصحية لمسألة التوافق هي عدم اضطرار معظم المرشحين الى عرض طروحاتهم وتوضيح برامجهم الانتخابية للمواطنين لأن مظلة التوافق ستعفيهم من المنافسة وبالتالي من أن يكونوا في موضع المساءلة لاحقاً بناء على برامجهم.

وقد تكون مسوغات التوافق في بعض الأحيان منطقية، فمن الحفاظ على التنوع الطائفي كما حدث في العاصمة بيروت وبعض المناطق الأخرى، الى الحفاظ على الاستقرار والتوازن العائلي وبعض الأحيان السياسي في بعض المناطق، الى تجنيب البلد تشنجات المعارك الانتخابية، أو للتفرغ للمعركة الكبرى مع العدو في بعض المناطق.

ولكن كل هذا يؤدي الى استنتاج واحد هو هشاشة التزاماتنا الوطنية وابتعادنا الكبير عن منطق الديموقراطية التي طالما تغنينا بتمييزنا بها بالمقارنة مع ما هو ممارس في باقي عالمنا العربي. فإن ما يطرح الآن كنعمة من خلال التوافق ما هو إلا تشويه للديموقراطية تخفي وراءها توجه واضح للتملص من المسؤوليات وتأييد الوضع الشاذ القائم.

أما إذا كان المقصود من التوافق هو إدخال المتصارعين الى مجلس واحد، فهذا يعني نقل التنافس بين معارضة وحكم الى صراع داخل السلطة ما يدخل الإدارات والمشاريع في شلل كامل، وما حكومات الوحدة الوطنية التي نعرف الأمثال قائم على ذلك.
لذلك فأنا ضد التوافق في الانتخابات مهما كانت المبررات.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل