أوباما ولبنان: الحماية من التهديد الأكبر
واشنطن تحافظ على مكاسب مرحلة المواجهة مع دمشق
"حدد ديبلوماسي غربي بارز وثيق الصلة بواشنطن موقع لبنان في الاستراتيجية الأميركية الاقليمية الحالية بقوله ان لبنان كان جزءاً مهماً من المواجهة الأميركية – السورية في عهد ادارة الرئيس السابق جورج بوش، فصار جزءاً مهماً من الحوار الأميركي – السوري في عهد ادارة الرئيس باراك أوباما. وأوضح أن ادارة أوباما ليست راغبة في استخدام لبنان وسيلة ضغط على سوريا أو نقطة انطلاق للعمل ضد نظام الرئيس بشار الأسد، لكنها في الوقت عينه ترفض بحزم أي تهديد سوري لسيادة لبنان وأي ممارسات سلبية خطرة تقوم بها دمشق في هذا البلد. وقال هذا الديبلوماسي ان ادارة أوباما تدرك تماماً أن لبنان ليس قادراً على أن يواجه وحده ضغوط دمشق وطهران وحلفائهما عليه لضمه، فعلاً وعملياً، الى المحور السوري – الايراني وجعله تالياً ساحة مواجهة مفتوحة مع اسرائيل خدمة لمصالح هذا المحور، ولذلك تسعى مع جهات دولية وعربية واقليمية الى حمايته ومنع انزلاقه الى حرب مدمرة جديدة مع الدولة العبرية قد تتحول حرباً اقليمية، وترى أن ذلك ليس تدخلاً في الشؤون اللبنانية الداخلية بل يتم في اطار التزام أميركا والدول البارزة الأخرى العمل على تحقيق الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة، وينسجم مع ما تنص عليه قرارات مجلس الأمن ذات الصلة وخصوصاً القرار 1701".
هذا ما أدلت به مصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الاطلاع في باريس وأوضحت أن ادارة أوباما أبلغت مراراً جهات أوروبية وعربية معنية بالملف اللبناني أنها تريد المحافظة على الانجازات والمكاسب الأساسية التي حققها اللبنانيون خلال مرحلة المواجهة الأميركية – السورية وأبرزها: انهاء هيمنة سوريا على لبنان من خلال اخراج قواتها من هذا البلد والتخلص من النظام الأمني السوري – اللبناني المشترك، تأمين حماية دولية شرعية للبنان المستقل السيد كرسها تبني مجلس الأمن مجموعة قرارات تدعم هذا البلد المتحرر من أي هيمنة اقليمية، اخضاع الملف اللبناني ومسار العلاقات بين لبنان وسوريا لرقابة مجلس الأمن المستمرة والمنتظمة، تشكيل المحكمة الخاصة بلبنان بقرار صادر عن مجلس الأمن للنظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم سياسية وارهابية أخرى.
وقالت المصادر الأوروبية المطلعة أن ادارة أوباما حددت لنظام الأسد ثلاثة خطوط حمر في ما يتعلق بلبنان وطلبت منه عدم تجاوزها أو خرقها وهي الآتية:
أولاً – رفض اخضاع لبنان مجدداً لأي نوع من الوصاية أو الهيمنة السورية تحت أي ذريعة من الذرائع. كما قال ديبلوماسي أميركي مطلع: "ان لبنان جزء من المجموعة العربية والمجتمع الدولي وليس جزءاً من سوريا، واستقلال هذا البلد حق مشروع له ولشعبه ويلقى الدعم الكامل دولياَ وعربياً. وليست لدى أي دولة صلاحية حرمان لبنان وشعبه هذا الحق نتيجة طموحات ومصالح خاصة بها أو حسابات ذاتية".
ثانياً – رفض تقبل ارسال نظام الأسد أسلحة وصواريخ سورية وايرانية الصنع الى "حزب الله" لأن ذلك ينتهك القرار 1701 ويشكل تهديداً جدياً للسلم الأهلي ويفتح الباب أمام احتمال نشوب حرب لبنانية – اسرائيلية جديدة.
ثالثاً – رفض التضحية بالمحكمة الخاصة بلبنان من أجل مواصلة الحوار الأميركي المشروط مع سوريا.
واستناداً الى ديبلوماسي أوروبي مطلع "فان ادارة أوباما تتصرف على أساس أنها جزء من عملية دولية – عربية تهدف الى توفير دعم واسع متنوع للدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية وعلى رأسها الجيش وقوى الأمن من أجل تعزيز استقلال لبنان وسيادته وسلامته الاقليمية وقدراته الذاتية. وقد رفضت ادارة أوباما منذ انطلاق حوارها مع نظام الأسد ربيع 2009 كل مطلب سوري يتناقض مع استقلال لبنان وسيادته ومصالحه الحيوية ويرمي الى تعزيز نفوذ دمشق في هذا البلد".
القرارات المطلوبة من الأسد
وأضافت المصادر الأوروبية المطلعة أن ادارة أوباما أرادت وتريد استخدام حوارها المشروط مع نظام الأسد من أجل دفعه الى "التعجيل" في عملية تحسين العلاقات مع لبنان المستقل السيد واعادتها الى طبيعتها والاستجابة باجراءات ملموسة محددة للمبادرة الشجاعة التي قام بها رئيس الحكومة سعد الحريري بزيارته دمشق وتأكيده رغبته الواضحة في تعزيز علاقات التعاون مع سوريا على أساس المساواة والاحترام المتبادل لاستقلال كل من البلدين. وتعتقد ادارة أوباما أن تحسين العلاقات بين لبنان وسوريا لن يتحقق فعلاً ما لم يتخذ نظام الأسد الخطوط الأساسية الآتية:
أولاً – الاحترام الحقيقي والجدي لسيادة لبنان واستقلاله ولحق شعبه في اختيار ممثليه وحكامه وفي تحديد مصيره وسياسات بلده بذاته وبارادته الحرة.
ثانياً – التخلي نهائياً عن منطق الهيمنة في التعامل السوري مع المسؤولين اللبنانيين والحرص على التعاون مع لبنان من أجل تأمين المصالح الحيوية المشروعة للبلدين والشعبين واستناداً الى مبادئ المجتمع الدولي التي ترفض تدخل أي دولة سلباً في شؤون دولة أخرى.
ثالثاً – الاسراع في ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا وضبطها لمنع تهريب الأسلحة عبرها من منطلق أن هذا الاجراء ليس عملاً معادياً لسوريا بل انه ضروري وحيوي لتثبيت استقلال لبنان وللتأكيد أن هذا البلد ليس امتداداً للساحة السورية.
رابعاً – تكريس لبنانية منطقة شبعا خطياً ورسمياً لتسهيل استعادتها بالوسائل الديبلوماسية وبمساعدة الأمم المتحدة وعدم ربط مصير شبعا بمصير الجولان المحتل.
خامساً – اجراء التعديلات الضرورية على الاتفاقات الموقعة بين البلدين خلال سني الهيمنة السورية من أجل تأمين مصالح اللبنانيين والسوريين معاً وليس مصالح طرف على حساب طرف آخر ومن أجل صون استقلال لبنان وسيادته.
سادساً – تسوية مختلف المشاكل والقضايا العالقة بين لبنان وسوريا عبر الحوار والحرص المشترك على التوصل الى تفاهمات تؤمن مصالح البلدين معاً وليس مصلحة البلد الأقوى.
ووفقاً لما قاله لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع "ان المسؤولين الأميركيين يبدون انزعاجاً من التباطؤ السوري في اقامة علاقات طبيعية مع لبنان وفقاً لهذه الأسس، خصوصاً أن الرئيسين ميشال سليمان وسعد الحريري بذلا جهوداً حقيقية وقاما بكل ما هو ضروري لفتح صفحة جديدة في العلاقات مع سوريا. ويرى المسؤولون الأميركيون أن تردد الأسد في اتخاذ خطوات الملائمة اللازمة لتحسين العلاقات بين البلدين يعكس رغبته في الضغط على اللبنانيين من أجل محاولة انتزاع تنازلات منهم يصعب جداً على الحكم اللبناني أن يتقبلها".
وضمن هذا الاطار لاحظت المصادر الأوروبية المطلعة " انه يبدو واضحاً من المشاورات الأميركية – الفرنسية – الدولية أن ادارة أوباما تتعامل مع لبنان في هذه المرحلة على أساس ان "التهديد الأكبر الذي يواجهه مصدره المحور السوري – الايراني الذي يزود "حزب الله" صواريخ متطورة ذات طابع استراتيجي تشكل خطراً على اسرائيل وأمنها ومدنها ومنشآتها أكبر من الخطر الذي شكلته صواريخ الحزب خلال حرب 2006". وتدرك ادارة أوباما أن اسرائيل "لم تفعل شيئا لتسهيل اعادة ما تبقى من أرض محتلة الى اللبنانيين من طريق الأمم المتحدة" لكن الادارة الأميركية ترى في الوقت عينه "ان حكومة بنيامين نتنياهو ليست لديها خطط عدائية ضد لبنان بالذات بل انها تملك خططاً حربية احتياطية حيال "حزب الله" الذي ينشط ويتسلح خارج سلطة الدولة ويشكل الامتداد االعسكري لاستراتيجية ايران الهجومية في المنطقة".
وتريد ادارة أوباما منع سقوط لبنان في فخ حرب مدمرة جديدة بين اسرائيل والمحور السوري – الايراني، لكنها ترى انه ليست لديها وحدها القدرة على منع نشوب الحرب وعلى فرض السلام على الجبهة اللبنانية – الاسرائيلية. وعلى هذا الأساس تتحرك ادارة أوباما بالتعاون مع جهات دولية أخرى من أجل دفع الأطراف المعنيين بالأمر مباشرة أي الحكم اللبناني ونظام الأسد والحكومة الاسرائيلية الى تحمل مسؤولياتهم بحيث يتخذ كل طرف القرارات المناسبة الملائمة والضرورية لمنع المواجهة العسكرية التي "لن تشمل لبنان وحده هذه المرة بل ستشمل سوريا أيضا". وأشار الديبلوماسي الأوروبي الى "ان هذا الموضوع يحتل الصدارة في المحادثات والاتصالات الأميركية – اللبنانية والأميركية – السورية وتتناوله ادارة أوباما بصراحة تامة، مما يجعلها ترفض تنصل نظام الأسد من مسؤوليته عن تسليح "حزب الله" وترفض رضوخ الدولة اللبنانية ومؤسساتها لقرارات "حزب الله" وحساباته".
واشنطن والمحكمة الدولية
وفي هذا المجال قال لنا ديبلوماسي أوروبي عائد من واشنطن "ان المحكمة الخاصة بلبنان هي العقبة الثانية، بعد قضية تسليح "حزب الله"، التي تهدد بعرقلة التقارب بين أميركا وسوريا بل بتفجير أزمة بين البلدين لاحقاً اذا ما وجه القرار الظني الذي سيصدره المدعي العام الدولي دانيال بلمار الاتهام الى مسؤولين أمنيين سوريين وبعض حلفائهم اللبنانيين بالتورط في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه". وأوضح أن موقف ادارة أوباما من المحكمة الخاصة بلبنان يتلخص في النقاط الآتية:
أولاً – ترى ادارة أوباما ان من الضروري حماية عمل المحكمة وتأمين كل الدعم اللازم لها كي تواصل مهمتها الى النهاية، وهذا سيتطلب عدم التدخل في شؤونها والامتناع عن التعامل معها وكأنها ورقة أميركية ضاغطة على النظام السوري والامتناع كذلك عن الدخول في مناقشات علنية مسبقة في شأن مضمون القرار الظني الذي سيصدره بلمار وانعكاساته المحتملة.
ثانياً – تتصرف ادارة أوباما على أساس أن هذه المحكمة "مسؤولية دولية وليست مسؤولية أميركية" وان مجلس الأمن هو الذي يشرف على عملها وتتعامل معها من منطلق انها "تجهل تماما" ما لدى لجنة التحقيق الدولية من أدلة ومعلومات عن الجهة المسؤولة عن اغتيال الحريري ورفاقه، وانها مستعدة لتقبل أي قرار يصدره المدعي العام الدولي بقطع النظر عن مضمونه.
ثالثاً – ترفض ادارة أوباما عقد صفقة مع أي دولة أو جهة تؤدي الى تعطيل عمل المحكمة أو انهاء مهمتها أو شل قدرتها على كشف الحقيقة، لأنها ليست راغبة في ذلك وليست قادرة على ذلك أصلاً لأن المحكمة تابعة لمجلس الأمن ككل. كما أن ادارة أوباما ليست مستعدة للتضحية بعمل المحكمة وبقراراتها من أجل مواصلة الحوار مع نظام الأسد أو من أجل تجنب القطيعة مع هذا النظام. وعلى هذا الأساس ستدعم ادارة أوباما مع دول أخرى أي قرار يصدره بلمار وستطالب بتسليم المتهمين بالتورط في جريمة اغتيال الحريري الى المحكمة الدولية لمحاسبتهم، سواء أكانوا سوريين أم لبنانيين مرتبطين بدمشق أم كانوا ينتمون الى أي جهة أخرى. ولن تقبل ادارة أوباما أي محاولة يمكن أن يقوم بها النظام السوري وحلفاؤه للافلات من المحاسبة الدولية، في حال توجيه الاتهام اليهم، بل ستعمل على التصدي لأي محاولة كهذه واحباطها ولو اقتضى الأمر اللجوء الى مجلس الأمن.
وفي هذا المجال كشف مسؤول غربي مطلع أن وزير خارجية أميركياً سابقاً نصح الرئيس أوباما بوقف انفتاحه المشروط على نظام الأسد في انتظار صدور القرار الظني في جريمة اغتيال الحريري لمعرفة حقيقة الدور السوري في هذه الجريمة. لكن أوباما لم يأخذ بهذه النصيحة لأنه يرفض اتهام النظام السوري بالتورط في جريمة اغتيال الحريري قبل أن يكشف المدعي العام بلمار ما يملكه من أدلة ومعلومات وقبل أن تتضح حقيقة الدور السوري فيها بحيث يتم التعامل مع نظام الأسد في ضوء معلومات لجنة التحقيق الدولية وليس في ضوء معلومات أميركية.