في ظلّ مقايضات التسوية في مجلس الأمن حول قرار العقوبات
لبنان يضمن سلامة الحد الأدنى بالامتناع عن التصويت
حفلت الصحف العالمية في اليومين الاخيرين باخبار عن تسوية اميركية روسية عن ايران، وتنازلات كبيرة قدمتها ادارة الرئيس باراك اوباما لروسيا من اجل موافقة الاخيرة على قرار العقوبات في مجلس الامن الدولي ضد ايران. ومع ان روسيا لا يناسبها ان تمتلك ايران سلاحا نوويا فانها حصلت من الولايات المتحدة على صفقة تتضمن عدم شمول حظر المبيعات الروسية لايران على صواريخ اس – 300 بذريعة ان عملية البيع متفق عليها منذ بعض الوقت، فضلا عن تنازلات اخرى اساسية. ولقيت التنازلات الاميركية لروسيا في هذا الاطار انتقادات قاسية في الكونغرس الاميركي من الحزبين الجمهوري والديموقراطي على حد سواء، على قاعدة الخوف ان تكون لهذه التنازلات انعكاسات سلبية اكثر خطورة من المفاعيل الايجابية المفترضة لقرار العقوبات الدولية على ايران.
وليس خافيا ان القرارات الدولية التي تحظى باجماع في مجلس الامن تخضع لمساومات كثيرة وعملية مقايضة بحيث تخشى دول كثيرة ان تؤدي هذه المساومات الى قرار "منزوع الاسنان" ضد ايران نتيجة التنازلات التي ستقدمها الادارة الاميركية الى الصين ايضا، المعترضة في الاصل على فرض عقوبات على طهران، خصوصا ان واشنطن تحرص على تأمين ليس فقط عدم امتناع الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن على قرار العقوبات بما يتخطى طبعا طابع الفيتو الذي تملكه هذه الدول، لكن واشنطن مضطرة الى دفع هذه الاثمان لطمأنة اسرائيل الى انها ماضية في منع امتلاك ايران سلاحا نوويا، ولتفادي امر واقع يمكن ان تواجهه باحتمال لجوء اسرائيل الى عملية عسكرية ضد ايران وتوريط الولايات المتحدة بها في حال كان ثمة تقاعس دولي عن مواجهة سعي ايران الى السلاح النووي، علما ان هذا الامر مقلق ليس لاسرائيل وحدها بل لدول المنطقة ككل ايضا.
وبدت هذه التطورات لافتة مع موقفين يتعلقان بلبنان وموقفه المرتقب في مجلس الامن من قرار العقوبات المحتمل ضد ايران: احدهما يفيد بموقف متفهم من واشنطن تم التعبير عنه لرئيس الحكومة سعد الحريري ابان زيارته العاصمة الاميركية، بحيث لن يضغط عليه على الارجح من اجل التصويت في المجلس مع قرار العقوبات، باعتبار ان لبنان عضو غير دائم في مجلس الامن. وفي هذا السياق افادت معلومات عن حرص اميركي واوروبي على عدم توريط لبنان في موقف محرج مماثل خلال رئاسته الدورية من ايار الحالي لرئاسة مجلس الامن وارجاء طرح مشروع القرار امام المجلس حتى شهر حزيران. اما الموقف الآخر فيتمثل بالدعوة التي وجهها رئيس مجلس النواب نبيه بري للبنان ليس فقط للامتناع عن التصويت على قرار العقوبات ضد ايران، بل ايضا بمعارضته بقوة، في الوقت الذي لا يعبر فيه هذا الموقف عن الدول العربية المنقسمة حيال هذا الامر، في حين تشكل عضوية لبنان في المجلس تمثيلا مبدئيا للدول العربية ايضا. كما ان موافقة لبنان او اعتراضه على القرار لن يقدما او يؤخرا في احتمال صدوره او عدمه، مثلما هي الحال بالنسبة الى كل من البرازيل وتركيا بصفتهما عضوين غير دائمين حاليا في المجلس وساهمتا في الاتفاق الثلاثي مع ايران حول تخصيب الاورانيوم من اجل تجنّب فرض عقوبات جديدة على ايران. لكن اعتراض لبنان يمكن ان يجر عليه ضغوطا دولية لن تكون سهلة عليه اطلاقا، علما ان في استطاعته ان يفاوض مبدئيا في حال كانت الولايات المتحدة ترغب في اجماع دولي على القرار وفق ما يرى كثر، وان يحصل على تنازلات او مطالب معينة يريدها. وهو لن يفعل نتيجة وضعه الحساس داخليا واقليميا بما يمنع عليه الذهاب في هذا الاتجاه. لكن الضغط عليه وفقا للمزايدات الداخلية من اجل معارضة القرار قد يدفع به الى موقع لا يحسد عليه، علما ان لبنان الرسمي لم يعلن اي موقف في هذا الاطار ولم يترك مجالا للتكهن حول امكان الذهاب الى امر غير الامتناع المحتمل عن التصويت او التغيب عنه او الاعلان عن معارضة القرار لكن من دون الذهاب الى حد التصويت ضده. وكثر يرون ان موقف رئيس مجلس النواب يجب ان يكون جزءا من القرار الرسمي الذي يدرس بعيدا من الاضواء وليس اخضاع لبنان في الامم المتحدة لتجاذبات تضيع الاطلالة الدولية الجيدة التي ظهر بها اخيرا خلال توليه رئاسة مجلس الامن لهذا الشهر، والتي تظهره دولة مسؤولة تستحق ان تتمثل في مجلس الامن وتمثل العرب او تجعله عرضة لخلافات او انقسامات داخلية خطيرة.
ويرى كثر انه وفق منطق المساومات نفسه الذي يسير العلاقات والمصالح بين الدول في مجلس الامن الدولي وخارجه، فان اعتراض لبنان وفق ما يطالب به الرئيس بري وما قد يذهب اليه آخرون تبعا لذلك يجب ان يكون خاضعا ايضا لمنطق المقايضة من اجل تأمين مطالب للبنان من ايران او من الدول التي قد تدفع في هذا الاتجاه. ومن هذه المطالب العمل على تجنيب لبنان ان يكون ساحة لتصفية الحسابات، بعدما بات مراقبون ديبلوماسيون يرون انه عاد ليكون بقوة وفقا لمصالح اقليمية تتعدى قدرته ومصلحته الشخصية المباشرة وغير المباشرة، رغم ان اعتراض لبنان ليس مؤثرا الى الحد الذي يكفل له الحصول على المقايضة التي يحتاج اليها.
فهل يستطيع لبنان ان ينجو بموقف في مجلس الامن لا يكون فيه رابحا او خاسرا لا بل غير معرض ايضا لدفع الاثمان المجانية؟