العقيدة الأيديولوجية الجديدة كما يطرحها "حزب الله" تستأنف مشروع "إعادة تكوين السلطة"
معادلة "المقاومة المهيمنة" و"النظام الأمني المواكب"
لبنان بلد إسلاميّ مسيحيّ. الطائف كرّس الشكل الدستوريّ المنسجم مع هذا الواقع: النظام البرلمانيّ على قاعدة المناصفة الإسلاميّة المسيحيّة. جاءت حركة الإستقلال الثاني لتضيء بقوة على هذه المعادلة: لقد انتهى عصر المشاريع الهيمنية الطائفية المتعاقبة وآن الأوان لتحقّق الوطن النهائي على أساس المناصفة الدائمة. لبنان أوّلاً هو المآل الطبيعيّ للإرادة الإسلامية المسيحيّة المشتركة.
بالضد من كل هذه الفلسفة الكيانية الميثاقية الدستورية تبرز معادلة "الجيش الشعب المقاومة" كما طرحها "حزب الله" مؤخّراً، في محاولة لرفعها إلى عقيدة أيديولوجيّة رسمية. فإذا كان شعب لبنان إسلاميّاً مسيحيّاً، وجيش لبنان إسلاميّاً مسيحيّاً، فإن "المقاومة" في هذه المعادلة ليست كذلك. هي تسمّي نفسها "المقاومة الإسلامية"، وهي توجد لهذه التسمية مدلولاً مذهبيّاً صرفاً، يضاف إليه، بل يسبقه، المدلول الأيديولوجيّ والميثولوجي المرتبط بنظام "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران. يكفي هذا التذكير إذاً لإيضاح الطبيعة الإنقلابية لمعادلة "الجيش الشعب المقاومة" على لبنان بوصفه بلداً تعدّدياً إسلاميّاً مسيحيّاً بتعريفه، وبما أن النظام البرلمانيّ على قاعدة المناصفة هو النظام الدستوريّ الذي ارتضاه أبناؤه.
في الأعمّ الغالب، يمكن الحديث عن نوايا إنقلابية عندما يجري ترفيع معادلة شبيهة لـ"الجيش الشعب المقاومة" إلى مرتبة عقيدة أيديولوجيّة رسميّة دون العروج على الأطر الدستوريّة والشرعيّة اللازمة لذلك، ودون أخذ رأي "الشعب"، الوارد ذكره في هذه المعادلة، وهو شعب اقترع في انتخابات 2005 و2009 لصالح قوى 14 آذار، وتحمّس تحديداً، بأكثريّته إلى الطروحات الأكثر سياديّة التي كانت تطرحها هذه القوى.
فهذه المعادلة، عندما تستعاد بهذا الشكل، وفي تغييب مطلق لطاولة الحوار، إنّما ترسل إشارات إلى القاصي والداني في العالم، بأنّ هناك طرفاً مستعداً فعلاً لإطلاق العنان لحملة جديدة في إطار مشروعه الهيمنيّ الفئويّ، وأنّه هذه المرّة يخوض الحملة إنطلاقاً من تكريس عقيدة أيديولوجيّة جديدة، يمكن ترجمتها سياسيّاً بمعادلة: المقاومة المستمرّة، المهيمنة، والنظام الأمنيّ قيد الإستئناف.
نحن أمام معادلة أيديولوجيّة وأمنية في آن. معادلة تأتي لتذكّرنا بأنّ اللاتوازن الأمنيّ المطلق القائم في البلد لا يمكن أن يبقى متعايشاً إلى ما لا نهاية مع "التوازن السياسيّ" المحقّق نتيجة لإنتصار 2009 الإنتخابيّ الإستقلاليّ. وأنّ المشروع الهيمنيّ الفئوي الذي طرح نفسه على أساس مقولة "تحالف الأقليات في إطار منظومة الممانعة" بين عامي 2006 و2009، والذي فشل في انتخابات 2009 في الوصول "السلميّ" إلى السلطة، يعود اليوم، لكن على أساس جديد هو: المقاومة مستمرّة، والنظام الأمنيّ قيد الإستئناف…
يوهم نفسه من يقول إنّ هذا المشروع لا يريد الوصول إلى السلطة. إنّه في إطار الثنائية الجديدة (مقاومة مهيمنة، ونظام أمنيّ مستأنف، للمواكبة) يريد كلّ السلطة. وهو لا يريد الوصول إليها بعدّة الماضي القريب: لا بالإعتصام المزمن في الساحات، ولا بعملية مسلحّة موضعيّة، ولا بخوض الإنتخابات النيابية. يبدو أنّ عنده خطّة من نوع آخر. أو أنّه على الأقل في صدد تطوير مثل هذه الخطّة. عقيدة "الجيش الشعب المقاومة" بالشكل الذي قدّمت فيه تشي بذلك.
قبل خمس سنوات كانت المعادلة القائمة هي نظام أمنيّ مهيمن، ومقاومة "مواكبة". بالفعل، اختار "حزب الله" هذه الكلمة عشية "التمديد" لشرح أسلوب تعاطيه في الشأن الداخلي. اليوم المعادلة المقترحة على اللبنانيين تبدو معكوسة: المقاومة تلعب دور المهيمن، والنظام الأمنيّ المراد إعادة استئنافه يكتفي بدور المواكبة. بمعنى آخر، هناك من يتصوّر أن الظروف والأجواء الداخلية والإقليمية والدولية باتت سانحة له لإطلاق محاولة منهجية جديدة لـ"إعادة تكوين السلطة"، كي تكون على صورته ومثاله. وعليه، وجبت المناظرة الإستباقية مع هذه المحاولة.. منذ الآن.