الكلام على المقاومة، يجب الاّ يقتصر على المقاومة بالسلاح، فهذا النوع من المقاومة لا يعدو كونه جزءاً من كلّ، مع ما له من اهمية وفاعلية، والكلّ هنا، هو مجموعة المقاومات الوطنية الواجب توفّرها عند الدولة والشعب، مثل المقاومة الديبلوماسية، والسياسية، والاقتصادية والثقافية، والفنية، والروحية والمقاومة القائمة على تنمية الصداقات مع اوسع عدد من الدول ذات التأثير في لعبة الامم، يضاف الى هذه المقاومات جميعها، مقاومة الوحدة الوطنية التي تضم كافة شرائح الشعب، المجتمعة على مفهوم موحّد للمقاومة، وهذا المفهوم هو الذي يزيل حذر المقاومة وتخوّفها وهواجسها، ويحوّلها الى سمكة تتحرّك بحرّية في بحر آمن ومستقر، وعندما كان المغفور له الشيخ بيار الجميّل يتحدث عن لبنان، وان قوته في ضعفه، لم يكن يدعو الى استبعاد الخيار العسكري من ضمن سلّة المقاومة الكبيرة، لأن امتلاك القوة، الى جانب العوامل الاخرى التي كان لبنان يملكها في تلك الايام، انما هو من ابسط واجبات الدولة، ولم يقف يوماً زعيم سياسي او حزبي في وجه تسليح الجيش اللبناني او قوى الامن الداخلي.
اذا كان البعض يعتبر او يفهم ان قوة لبنان هي في مقاومته المسلّحة وحسب، فهو على خطأ كبير، وتكون عندها علاقات لبنان الديبلوماسية والسياسية مع العالم من دون معنى، وتكون الزيارات المتعددة لرئيس الدولة العماد ميشال سليمان، ورئيس الحكومة سعد الحريري الى دول القرار في الشرق والغرب، والى المؤسسات الدولية ذات التأثير من دون نتيجة، ولا توصل الى ما يريده اللبنانيون ويرغبون.
من هنا فان الذين يدعون في هذه الايام الى اعطاء الدولة حق الأمرة على السلاح الموجود خارجها، لا يريدون ان يكون لبنان ضعيفاً، أو أن هؤلاء يعملون لمصلحة غير مصلحة بلدهم وشعبهم، بل يريدون ان تعطى فرصة حقيقية للمقاومات الاخرى، ان تفعل فعلها، وان تثبت وجودها كعناصر فاعلة في لعبة الموت والحياة، ويستندون في ما يعلنون الى حرية الرأي أولاً، الواجب احترامها وتوفيرها للجميع من دون استثناء، وثانياً الى ما نصّ عليه الدستور والقوانين والبيانات الوزارية، التي تحرّم قيام شراكة في السلاح والسيادة والقرار بين الدولة وبين اي تنظيم او حزب او طائفة او مذهب، والذي يقوله رئيس الهيئة التنفيذية الدكتور سمير جعجع في هذا الصدد، والذي يتعرض بسببه لهجومات مبرمجة من «مبيّضي الوجوه» فان جماهير غفيرة جداً وحاشدة من اللبنانيين على مختلف مذاهبهم تقوله سراً وعلناً، لا كرهاً بالمقاومة، التي قدّمت الدماء والشهداء والتضحيات، وحققت النصر المجيد في العام 2000، بل حبّاً بالسلام والاستقرار وقيام الدولة وراحة البال، ونزع فتيل هذا الخلاف القائم بين اللبنانيين منذ العام 2000 حتى اليوم.
المواطن العادي الموجود في لبنان، وذلك المنتشر في العالم، كيف تريدونه ان يصدّق ان لبنان بخير، وان صيفه واعد، وان مستقبله مأمون، وان قرش استثماره في حرز حريز، طالما انه يسمع صباحاً ومساء طبول الحرب، وصيحات القتال، وتهديدات القصف، والقصف المتبادل، تتردد في الاذاعات ومحطات التلفزة وصفحات الجرائد في لبنان وكل العالم.
اذا كانت اسرائيل، وهي العدو، لها مصلحة في خلق اجواء التوتر والقلق والنزاع داخل لبنان، ولها مصلحة في ابعاد شعوب العالم عن الشعب اللبناني والشعوب العربية، فهل من مصلحة لبنان وشعبه ان نساعد اسرائيل على تحقيق اهدافها، دون ان ندري، وتلك مصيبة، بالمضيّ في استخدام لغة التخوين والتهويل بحق فريق كبير من اللبنانيين، لا يضمر السوء للمقاومة، ولا يحمل السلاح في وجهها، انما يعبّر عن موقفه بديموقراطية وحرّية ولياقة، كفلها له الدستور والقوانين.
الدولة يا سادة، لا تقوم بالصوم والصلاة، بل ان قيامها فعل يومي بالتنازل لها عن مقوّمات القوّة والبقاء، وجميع الدلائل تشير حتى الآن ان البعض قرّر الاّ يضع قلبه وسيفه في خدمة قيام الدولة.