#adsense

قبل انفلات “التوظيف”!

حجم الخط

أثبتت ثلاث دورات انتخابية نيابية وبلدية شهدها لبنان ما بين 2005 و2010 ان الجماعة المسيحية عموما، وفي معزل عن ارتباطات كل من قواها وأحزابها وتياراتها، خرجت منها بحيوية مميزة حتى صار مفهوم المعارك الديموقراطية ولو حادة وشرسة ملاصقا للتنافس المسيحي أكثر من أي عامل آخر تعنى به الطوائف الاخرى. حتى أن بعض الموغلين في الواقعية السياسية والطوائفية في لبنان يميلون الى الاعتقاد أن التعدد السياسي المسيحي يشكل نقطة ضعف للمسيحيين بازاء المسلمين، لأنهم لو نجحوا في البقاء جبهة واسعة كبيرة تقطرها سياسة مستقلة نوعا ما عن سائر الآخرين لكانوا استطاعوا فرض نمط مختلف للتوجه العام ولكانوا فرضوا ثقلا يستحيل تجاوزه في اعادة بناء الدولة وسياساتها الداخلية والخارجية.

ولعله ينبغي اعادة الاضاءة على هذه الناحية الجوهرية في الواقع اللبناني الراهن، ليس فقط كخلاصة أساسية وكبيرة للمشهد الناشئ عقب انتهاء المراحل الاربع للانتخابات البلدية والاختيارية أمس مع دورة الشمال، وانما ايضا كحقيقة مسيحية ولبنانية عامة يجب رفعها في وجه ذلك الشرّ الناشئ عن حادث مفجع ذي طابع "شمالي" موروث يفترض بسائر القوى المسيحية أن تسارع الى وأد مضاعفاته وتطويق أي محاولة للنفخ فيه وتضخيمه ومنع العودة الى العبث بالجماعة المسيحية من خلاله.

والواقع ان حادث الجريمة المزدوجة سواء كان حصل في توقيت انتخابي أو عادي في المكان والاشخاص والظروف، فان محاذيره هي نفسها لانه يتصل بتراكمات موروثة اجتماعية وسياسية وعصبية، حتى مع كونه حادثا فردياً صرفاً. ومن غير المفيد والحال هذه أي تصغير لمضاعفات قتل شابين أخوين، مثلما سيكون من الخطير جدا توظيف الجريمة وتكبيرها لتصفية حسابات أبعد من كل ظروف حصولها.

ولكن يتعين على الفريقين المعنيين، كما على الحلفاء المسيحيين لكل منهما، ان ينظروا الى نقطة مضيئة تحققت في السنوات الاخيرة، وهي ان هذه المنطقة شهدت نقلة نوعية لا يمكن اغفالها في "الشفاء" التدريجي ولو البطيء، من نزعات الثأر الدموية و"الفانديتا" وبدأ الاعتراف بالآخر، ولو متعثرا، يتقدم بظواهر مختلفة.

تساق هذه الحقيقة فعلا لوضع حادث ضهر العين حيث يجب ان يكون في مسؤولية المعالجة السياسية، الى جانب المعالجة الامنية والقضائية الحاسمة، اذ ان كل القوى المسيحية، وحتى الكنيسة المارونية تحديدا، ستكون معنية بالدرجة الاولى بالمسارعة الى وأد مضاعفات هذا الحادث اذا تراءى غدا للجميع أن باب المضاعفات والتوظيف فتح على مصراعيه. أقله لن يضير المجموعة المسيحية هنا ان تسجل لنفسها استقلالية في منع العودة الى الوراء لمصلحة مسيحية ولبنانية أعمّ. ولن يكون أخطر من التوظيف والتحريض المتعدد الطرف لهذا الحادث سوى تورط القوى المسيحية الاخرى في تصفية الحسابات المتبادلة واذكاء العداوات وخصوصا اذا حصل ذلك تحت عنوان خبيث هو "الحياد" وغسلي الايدي المرادفين تماما لكبّ الزيت على النار.

المصدر:
النهار

خبر عاجل