من الطبيعي والمنطقي القول، بأن أي دولة في العالم، لا تستطيع، او هي غير قادرة على بسط سلطتها وسيطرتها على كامل أراضيها، هي دولة ضعيفة، وغير مكتملة النمو الضروري الذي يجعلها دولة قادرة، قوية ومهابة الجانب من ابنائها، ومحترمة من قبل الخارج، وعوامل ضعف الدولة مطلق دولة، عديدة ومتنوعة، فالمافيات التي تسيطر على حياة الناس العاديين، تضعف سلطة الدولة، وعصابات المخدرات والاجرام المنظمة، ترهق الدولة وتشل قدراتها، والتقاتل العائلي والعشائري والحزبي المسلّح في غالب الاحيان، مقتل من مقاتل الدولة، اما الميليشيات التي تنمو كالفطر، خلف شعارات دينية ومذهبية وسياسية وقومية، واحياناً وطنية، فهي من دون شك العائق الاساس امام قيام الدولة، والسبب الاساس لسقوطها وانهيارها، ولبنان منذ نشوب الحرب في منتصف السبعينات من القرن الماضي وحتى اليوم، عانى وما يزال من هذه العوامل جميعها، بالجملة والمفرّق.
ان الدخول في شرح وتشريح كل عامل من هذه العوامل، سيأخذ من دون شك متسعاً كبيراً من الوقت والتفاصيل والارقام ليس اليوم مجالها، خصوصاً ان الحدث المحلي الذي يفرض ذاته هو الانتخابات البلدية في محافظة الشمال، في المرحلة الرابعة والأخيرة، بعد محافظات بيروت وجبل لبنان والبقاع والجنوب والنبطية، ولا بد في هذه المناسبة، من تسليط الضوء على دور الدولة في هذه الانتخابات «الانمائيسياسية» واعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله، خصوصاً ان الدولة التي لم تستعد بعد قدراتها، قد واجهت العديد والكبير من التحديات في اجراء الانتخابات في مواعيدها الدستورية.
*****
يجب الاعتراف بأن موقف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بوجوب اجراء الانتخابات البلدية في وقتها المحدد، كان عاملاً اساسياً في وجه العوامل الاخرى التي اشرنا اليها، والتي من شأنها اضعاف عافية الدولة، وموقف الرئيس سليمان هذا هو شحنة دعم قوية للدولة التي يرأسها.
وجاءت شحنات الدعم الاخرى، من الجهد الكبير والمميز الذي قام به وزير الداخلية زياد بارود لتحقيق اجراء هذه الانتخابات، وبأفضل الوسائل والاجراءات المتاحة، على الرغم من حصول شوائب لم يكن بالامكان تفاديها كلها، في ظل القانون القديم وضيق الوقت، ولأن لا بد لانجاح هذا الاستحقاق المهم من ذراع قويّة تحميه، كان الجيش والقوى الامنية الاخرى، حاضرين وجاهزين، لتأكيد أن قوة الدولة تنمو وتتصاعد، وان عوامل اضعاف الدولة لا بد وان تنهزم، وان صحة الوطن، ستكون بخير، ولو انها تتقدم ببطء.
ان اصرار الرئىس سليمان على اجراء الانتخابات البلدية في مواعيدها، هو رسالة للكل، بأن احترام المواعيد والاستحقاقات الدستورية، يجب أن يكون نهجاً دائماً في جميع العهود وليس في عهده وحسب، لانه الطريق القويم لممارسة الحرية والديموقراطية وتداول السلطة، واعادة الاعتبار الى الدولة، ومن هذا المنطلق يفهم حرص الرئيس سليمان على عدم تأجيل انتخابات محافظة الشمال بعد حادث قتل الشقيقين صالح في ضهر العين، لأن الدولة التي تعجز عن تطويق مطلق حادث، وتهرب منه الى التأجيل والتسويف خوفاً من الاسوأ، هي دولة فاشلة وضعيفة، والفاشل والضعيف ليس له مكان واحترام وحساب عند المتربّصين به شراً، والعازمين على اقتسام صلاحياته واغتصاب دوره.
مسيرة تحصين الدولة واعادة القدرة اليها، هدف من اهداف هذا العهد، وهذه المسيرة ليست سهلة وليست قريبة المنال، ومن واجب الجميع، دون استثناء احد، عدم نظم قصائد الغزل والمدح بالدولة، وفي الوقت ذاته، يحفر اساساتها وزواياها ليقوّضها، والكل في هذا المجال، يعرف اذا تحلّى بالنيّة الحسنة والارادة الطيّبة، السبيل للمساعدة في تثبيت دعائم هذه الدولة لأن القانون معروف، والخارج عن القانون معروف ايضاً.