كتب وسام سعادة في المستقبل: ثمّة، "في مكان ما" كما يقال عادة في اللغة السياسيّة اللبنانية من يريد من الحملة الإلغائية الثالثة ضدّ "القوّات اللبنانيّة" أن تكون "القابلة اللاقانونيّة" لولادة "النظام المقاوم الجديد" الذي يقوده تنظيم فئويّ شموليّ مسلّح، أيديولوجيّ وميثولوجيّ.
هذه الحملة هي الثالثة، من بعد "حرب الإلغاء" التي أعلنت في 31 كانون الثاني 1990 وجرى فيها تدمير المناطق المسيحيّة، ومن بعد الإلغاء الثاني، المتمثّل بمؤامرة حلّ حزب "القوّات اللبنانية"، واعتقال قائدها الدكتور سمير جعجع عام 1994.
في الإلغائين السابقين، جرى استهداف الميثاقية الإسلاميّة المسيحيّة بالشكل الذي يؤطّره إتفاق الطائف ويعد بتطويره.
أمّا محاولة "الإلغاء الثالث" فهي الأخطر، لأنّ الحركة الإستقلالية أوقفت الميثاقية الإسلاميّة – المسيحيّة على قدميها، بتأكيدها المستمرّ على مركزية عهد المناصفة الدائمة بين المسلمين والمسيحيين، ومركزيّة قراءة إتفاق الطائف على أساس المناصفة. إنّ الميثاقية الإسلاميّة – المسيحيّة وصلت من خلال التبنيّ الإستقلاليّ لفلسفة "المناصفة" إلى صورتها الأكمل والأكثر توازناً، وفي المقابل، وصلت "اللاميثاقية" في المقلب الآخر، الأكثر منهجية والأخطر، من خلال جملة الطروحات التي يطرحها المشروع الفئويّ الشموليّ في لبنان اليوم، لكن، وبشكل أساسيّ من خلال الحملة الإلغائية الثالثة على "القوّات اللبنانية".
فالإلغاء الثالث، لا يستهدف فقط الفريق القواتي أو المسيحيّ بعامة ضمن الفريق الإستقلاليّ، ولا يستهدف فقط تفريق الشمل الإستقلاليّ، أي فصل مسلمي "14 آذار" عن مسيحييها. إنّه جزء من عملية إلغائيّة هيمنيّة شاملة، لن تتوقف حتى تبلغ خواتيمها: فإمّا أن يتمّ القضاء على الأشكال الأساسيّة من التعبير السياسيّ والأهليّ لـ"النصفين" اللذين يقيمان مشروع "المناصفة" في البلد، وإمّا أن تتعطّل الهجمة الإلغائية الهيمنية الشاملة أو تفشل.
الهجمة لا تنحصر إذاً باستهداف "الجامع المشترك" بين الإستقلاليين المسلمين والإستقلاليين المسيحيين. إنّه يستهدف بالأحرى "الجذر الوجوديّ" للركنين الأهليين الأساسيين في مشروع الإستقلال والمناصفة.
أما ما يريد المشروع الفئوي الشموليّ إحلاله بدل المناصفة، فيتعدّى "المثالثة". إن من يوجّه التهمة لهذا المشروع الفئويّ الشموليّ على أنّه يرمي إلى المثالثة بدل المناصفة يمدحه من حيث يدري أو لا يدري. هذا المشروع لا يريد لا المثالثة ولا المرابعة.. إنّه مشروع أحاديّ في "عمقه العصبيّ الأهليّ"، وهو مشروع "ثنائيّ في تركيبته اللوجستية": مشروع يعمل على أساس معادلة "المقاومة المهيمِنة" و"النظام الأمنيّ المستأنف لغرض المواكبة". يمكن خلع تسمية "نظام المقاومة" على هذه المعادلة.
حتى الآن لم يأخذ الإلغاء الثالث طابعاً حربياً تدميرياً كالإلغاء الأوّل، ولا طابعاً إجرامياً إضطهادياً كالإلغاء الثاني. لا تزال الخيبات التي جرجرها الإلغاءان الأول والثاني تعيقانه. ولا يزال التطوّر الذي جسّدته "القوّات اللبنانية" وخطاب رئيس هيئتها التنفيذية منذ خمس سنوات يعرقلان مهامه. فـ"القوّات" اليوم تقف على معادلة سياسية أقوى من سياقي 1990 و1994، لكن الحملة الإلغائية التي تواجهها تقف هي الأخرى على معادلة أخطر.
ثمّة "في مكان ما" من يعرف أنّه – إذا كانت المعادلة التي مثّلها ميشال عون في السنوات الماضية، "عضويّة" إلى أبعد حدّ، وأساسية، لجهة تدعيم المشروع الإقليميّ الإيرانيّ في المنطقة، فإنّ المعادلة التي تمثّلها "القوّات" وجعجع اليوم من شأنها، إذا استمرّت، أن تمثّل "حاجزاً حيويّاً" أساسياً و"حجر عثرة" غير متوقّع لمشروع "الإمبراطوريّة الإيرانيّة على المتوسّط"، بالشكل الذي يعرقل مخططات كثيرة.
الأمر بهذا الحجم، بهذه الخطورة، والسؤال يبقى: إلى أي حدّ يمكن أن تصل محاولة الإلغاء الثالث لـ"القوّات اللبنانيّة"؟ وما هو الفارق بين "ذروتها"، التي لم نصل إليها بعد، وبين كل من الإلغائين السابقين، الفاشلين؟
منذ عام ونيّف، وهذه الحملة الإلغائية الثالثة في تصاعد يوميّ. ارتفعت في هذا العام شعبيّة "القوّات" بشكل قويّ على الصعيدين المسيحيّ واللبنانيّ. هذا يجعل الحملة الإلغائية أكثر ضراوة. ضراوتها تجعل "القوّات" أكثر شعبيّة. لكن انتباه: الحملة لا تهدف إلى ذلك. إنها تريد إلغاء "القوّات"، ولأجل ذلك ينبغي توقّع فصول أخرى، وينبغي التحسّب لذلك أكثر فأكثر، ابتداء من فتح النقاش على مصراعيه داخل الحركة الإستقلالية، وفي عموم المجتمع المدني وأوساط المثقفين، حول أشكال المقاومة السياسية والثقافية والإجتماعية للمشروع الفئوي الشموليّ المسلّح، الأيديولوجيّ حتى النخاع، والميثولوجيّ في صميمه، والمعادي للمناصفة، من ضمن عدائه للميثاقية الكيانية.