التحرّك السريع نحو مجلس الأمن ترك أبعاداً جديدة
لـــبـنـان يُكــســـب دوره الــدولــي مــعـنـى مؤثــــراً
أُتيح للبنان بسرعة، ولو على نحو غير مباشر ومن حيث لا يريد او يرغب، اي عبر حادثة اطلاق اسرائيل النار على "اسطول الحرية" وارتكابها مجزرة في حق ناشطين مسالمين كانوا متجهين نحو تقديم المساعدات لغزة المحاصرة، الاستفادة من موقعه في مجلس الامن الدولي ليلعب الدور الذي أطلّ عبره رئيس حكومته سعد الحريري في الجلسة التي ترأسها في نيويورك قبل اقل من اسبوع. اذ فجأة اكتسب هذا الموقع معنى جديدا مختلفا يتخطى المآخذ التي ابديت سابقا على سعي لبنان الى شغل العضوية غير الدائمة في مجلس الامن، ويعطي ابعادا اخرى للمشاركة الرسمية في رئاسة جلسة علنية لمجلس الامن الاسبوع الماضي، علماً ان لبنان لم يقصّر، أقله في الأيام الأخيرة عن تظهير دور مهمّ اقليمي ودولي وتحقيقه نجاحا لم يتم القاء الضوء عليه بقوّة، لاعتبارات غير معروفة. وقد ساهم للمرّة الأولى منذ زمن بعيد في بناء الموقف العربي في الامم المتحدة والمفاوضة باسم العرب بوصفه رئيساً للمجموعة العربية في مجلس الأمن في صياغة بنود القرار في شأن إعادة النظر في معاهدة الانتشار النووي التي أدّت الى تسمية اسرائيل بالاسم ومطالبتها بالانضمام الى المعاهدة. وهذا نجاح يعتد به لديبلوماسية لبنان في الامم المتحدة وللحكومة اللبنانية. وتالياً فإن أهمية الامر من هذا المنظار تتمثل في واقع انه اصبح للبنان دور على الصعيدين الاقليمي والمحلي على غير ما اطبقت عليه الانتخابات البلدية والاختيارية في محليتها الضيقة خلال الشهر المنصرم من حيث مبادرة لبنان سريعا الى اجراء الاتصالات الهادفة الى امكان دعوة مجلس الامن للانعقاد من اجل البحث في هذه الحادثة وذيولها المحتملة تزامناً مع زيارة لدمشق حملت في عناوينها المعلنة تنسيقا بين البلدين، وبحثا في ما اجراه رئيس الحكومة من محادثات خلال زيارته لواشنطن ونيويورك. ومع ان الزيارة لدمشق يمكن ان توظّف او توضع في خانة الحسابات المحلية الضيقة ايضا كما في اطار العلاقات بين البلدين ورغبة البعض في حصرها في إطار تحول دمشق ممراً لا بد منه للعبور الى الخارج حفاظا على الاستقرار في لبنان، فإن هذا لا ينفي في الوقت نفسه واقع إمكان الاستفادة من الدور الذي يؤديه لبنان على مستويين: الاول يتصل بواقع التنسيق بين المواقف العربية ومخاطبة العالم انطلاقا من قضايا الحق العربي، وهو الامر الذي قام به حتى من خلال موضوع حوار الحضارات من خلال التشديد على حق الفلسطينيين واستعادة القدس، اضافة الى طرح افكار جديدة تقيم رابطا بين حوار الحضارات وديبلوماسية الوقاية من النزاعات او ديبلوماسية القانون الدولي وفق ما ورد في مضمون كلمة الرئيس الحريري.
أما المستوى الآخر فيتّصل بواقع خروج لبنان من الوضع الذي التصق به خلال الاعوام الماضية، أي أن يكون دوما على طاولة مجلس الامن من اجل مناقشة الوضع فيه كمشكلة معقدة بامتدادات اقليمية وصعوبات داخلية. وفي المستويين، تغيير كبير ومهم في النظرة الى لبنان، إذ لم يفت بعض ممثلي الدول العربية لدى الامم المتحدة الذين التقوا الحريري في لقاء بروتوكولي في نيويورك الاشارة الى ذلك ولو على سبيل المجاملة، من خلال القول بأن العرب سعداء في ان يمثلهم لبنان وان يستعيد دوره، وان لبنان يتحدث باسم العرب كما انه يظهر الوجه الحضاري للعرب كما قال المندوب السوري لدى المنظمة الدولية، فضلاً عن اعتبار البعض ان لبنان يملك القدرة والكفاية البشرية التي تخوله الدفاع عن قضايا العرب بطريقة مؤثرة، على ما قال البعض من هؤلاء، خصوصا أنه مضى زمن طويل جدا على سماع المسؤولين اللبنانيين كلاما من هذا النوع يبتعد كليا عن السعي اللبناني الى التدخل لرأب الصدع الداخلي او في العلاقات مع الدول الاقليمية الاخرى كسوريا مثلا.
هذا الواقع لا يستدرج الاستنتاج ان لبنان انتقل الى الضفة الاخرى من حيث تمتعه بالطمأنينة والاستقرار وعدم شعوره بالتهديدات او تحوّله دولة قادرة لها كلمتها في مجلس الامن. اذ انه سريعا ما سيواجه وعلى نحو اسرع مما كان يعتقد على ما يبدو من المعلومات المتوافرة مشروع قرار العقوبات ضد ايران التي تنوي الدول الكبرى طرحه على مجلس الامن للموافقة عليه. وسيكون مشروع القرار في مدى قريب جدا ولعله اقرب من كل التوقعات حتى الآن، وهو امر كاف وحده ليشعر لبنان بوضع غير مريح خصوصا مع بدء بروز اصوات تدفع في اتجاه معارضة المشروع بما يمكن ان يعني ذلك من ضغوط داخلية لن تتأخر في التمظهر عبر أشكال متعددة، فضلاً عن مواجهة غير متكافئة للبنان مع ضغوط اميركية محتملة. ومعلوم ان المعارضة المفترضة او المتوقعة لكل من البرازيل وتركيا اللتين شاركتا في اتفاق مخرج نسبي لايران قبيل اقلّ من اسبوعين لمشروع القرار، قد تضغط في المقابل على لبنان من اجل اعتماد موقف مماثل اي معارض لمشروع القرار على رغم اختلاف المواقع والقدرة بين هاتين الدولتين اللتين تدافعان عما تعتبرانه انجازا حققتاه مع ايران، وهو امر يمكن ان يضيق هامش الحركة امام لبنان ويحد من قدرته حتى على الامتناع عن التصويت، اقله حتى الآن ووفق الظروف الراهنة.