مثل الحياة، مثل مركب مليء بالعبيد. الكل محكوم عليه بالأعدام. والفارق هو بين من يجلس في كرسي الربان، وبين من يقبع في عنبر القاع. من هنا، فالرجال صنفان: من يرحل كأنه ما كان، ومن يترك في الدنيا بصمة مدوية، هي جواز عبوره الى الخلود في الضمائر والحناجر.
سمير قصير فارس آخر أطلَ علينا ولا ندري في أي آفاق سيجول. هو من صحافيي الطليعة والمواجهة، مقالاته خمر جديد له غير طعم وغير دبيب، يمتزج بها دمه حتى اذا ما عصر لحمه، تعذَر ان ترى في الخمر ماء. مستسلم لعواصف هوج، تناسق معها فكتب بالدم والنار، وجاءت مقالاته تخطَ حفرا لا بالحبر. كان رجلا قلقا باستمرار، مغامرا وراء الحدود، سالكا أطراف المزالق. وكنا نخاف عليه من السقوط، حتى أصابه غادر فسقط كما يتلقى بالسواعد صغار الأنبياء.
كان ورشة فكر، وتراكم ثقافات، وفتى الأحلام الكبار، ممتطيا طموحه الجوَاب، منعتقا من أدران الخوف ليكون كومات أشفار. علَمنا ان للكلمة سلطانا، وبقي متشامخا في أدائها حتى بذل النفس. هو الشهيد، وهنا ينقطع الكلام وتمسك الريشة، ليبرز الرمز والأستلهام في خشعة التأمَل. وحسب الشهيد انه بخلوده لا بوجوده.
في التاريخ وجوه طليعية كونت بالقيم وجبلت بالمناقب، تغيب لتتحول الى أسماء تعيش طويلا، هي جزء من الزمن الآتي الذي لا يزول. لقد اعتلى سمير مسرح الأحداث من دون قناع ولا مصانعة، ولقن الجيل أن اساليب الحياة تبنى على الجرأة والعنفوان، فمشى الى الحرية خارجا عن المواضعة المبتذلة، متلمسا وجه الحقيقة. شعاره: ما أعجز الأوطان ان ظلَت تجر الخذلان على أرضها.
لقد غلبوه في الغدر، وغلبهم في القيمة، هذا التارك للاجيال ان تنعم بغنائم شهادته. ان أثر دمه لعظيم في تبديل مفاهيم الغلبة. انه واحد من الذين أعادوا للصحافة المكتوبة فعلها السحري القديم. لقد تحدَث بلغة الناس، وكانت عناوينه مقالات بحدَ ذاتها، يلقيها فلا تفتأ ان تصبح في اليوم التالي مأثورة كأنها الأمثال.
عبقري شدَنا لقراءة مقالاته بأعجاب من أولها الى آخرها، عنيد في الحق لا يلوي، متحمس للحرية وللحقيقة، قوي المناكب قال كلمته غير موارب ولا متأثر بسوى الحق.
سمير، يا من أغمض عينيه ولم يمت، لا عجب ان قضيت باكرا، فمسافات النور دائما خاطفة.