هي مجزرة كانت متوقعة، فلا يُنتظر من "اليهود" سوى الغدر ، وحدهم الناشطون الذين سقطوا ضحايا إيمانهم وتصديقهم لفكرة الحرية ونُصرة الشعوب المظلومة هم الضحايا الأبرياء في لعبة استغلال فاضح للمشاعر العربية والإسلاميّة ، والأوروبية بإتقان شديد من "السياسة التركيّة" التي تحاول العودة إلى المنطقة العربية من بوابة الإسلام ، ومن إيران إلى تُركيا أيها المواطن العربي لا تحزن ، وقبل أن تغضب ، افتح عينيك وأذنيك و "صحصح" الدماغ النائم ، فإذا شاهدت الغضب التركي لا تفرح ، ولا تظنّن أن الزمجرة التي سمعتها بالأمس ستطيح بغطرسة إسرائيل ، وحدهم العرب يصرّون على لعب دور "الساذجين" في المشهد التركي الشبيه بالمشهد القطري إلى حدّ بعيد… وإن كان رجب طيب أردوغان أذكى بكثير من سواه لأنه أكثر حنكة في السياسة والدّهاء ..
بالأمس قال أردوغان من تشيلي بعد قطعه لزيارته الرسميّة إلى أميركا اللاتينيّة :"هذا العمل يتعارض تماما مع مبادئ القانون الدولي وهو عمل عير إنساني من أعمال إرهاب الدولة، فلا يظن أحد أننا سنسكت على هذا" ، وبالفعل لم تسكت تركيا التي وصفها الإعلام بأنّها تموج غضباً بالأمس ، ولكن ؛ هل سمع ووعى من له أذنٌ واعية ، ماذا فعلت تركيا وكيف رفعت صوتها عالياً ولم تسكت عمّا حدث في الكباش بينها وبين إسرائيل؟!
كأنّ الجمهور العربي والإسلامي في غيبوبة ، أو يصاب بإغماء منتشياً بتهيؤات إسمها "أحلام خلافة إسلامية" سواءً أكانت تركيّة أم فارسيّة تنتقم لانتكاسات العالم العربي العاجز ، خصوصاً عندما يكون أقصى ما يستطيعه العرب هو دعوة توجه لانعقاد "جلسة طارئة"
وماذا فعلت تركيا التي لن تسكت كما قال أردوغان في ازدواجيّة اللعبة والمشهد والضحك على عقول وذقون العالم الإسلامي وبيعه مشاهد غضب "إعلامي" مجانيّة، هل سمع العالم العربي بالأمس كيف غضبت تركيا وعاقبت إسرائيل؟ بالأمس أعلنت تركيا قرارها بـ "سحب سفيرها من إسرائيل ، وإمعاناً في زيادة المشهد تهتكاً ، قرّرت تركيا إلغاء ثلاث مناورات عسكريّة كان الجيش التركي يستعد لتنفيذها مع الجيش الإسرائيلي ، الذي هو نفسه بالأمس نفّذ هجوماً إرهابياً على عزّل وناشطين مدنيين.
ثمّة مثل لبناني يقول: "بيسكر من زبيبة" ، هذا حال الجمهور العربي الذي تصوّر بالأمس أن الحرب واقعة وأن تركيا ستزحف بجيشها لمحاربة إسرائيل !! ومتجاهلين أن تركيا كانت أول دولة مسلمة تعترف بإسرائيل سنة 1949، وأن تركيا منذ نهاية الخمسينات وقعت مؤسستها العسكرية مع نظيرتها الإسرائيلية اتفاقاً سرياً لتبادل المعلومات الاستخبارية عما أسماه الجانبان "الإرهاب والحركات التخريبية العربية"، وأنّ مرحلة الثمانينات شهدت تردداً مكثفاً لقادة عسكريين وأمنيين إسرائيليين على تركيا وأن الحكومة التركية سمحت في هذه الحقبة تحديداً لرجال أعمال يهود بالسيطرة على بعض وسائل الإعلام وبث دعايتهم عبرها ضد العرب وتذكير الأتراك بأنهم ـ أي العرب ـ هم أعداء تركيا وقد ساهموا في إسقاط الإمبراطورية العثمانية وغدروا بها.
أما العام 1995 فشهد تطوراً مع زيارة الرئيس التركي وقتها سليمان ديميريل إلى إسرائيل ، فقد توجت هذه الزيارة بـ : "التوقيع على اتفاقات اقتصادية مهمة ـ اتفاق التجارة الحرة ـ إضافة إلى اعتماد اتفاق استراتيجي أمني وقعه مسؤولون عسكريون وأتراك في بداية 1996 وينص على النقاط التالية :
1- السماح للكيان الصهيوني باستخدام الأجواء والأراضي والمطارات التركية في عمليات تدريبية .
2- التنسيق الاستخباري بين الجانبين في جمع المعلومات وخاصة عن سوريا وإيران .
3- الاستفادة التركية من الخبرة والخبراء الإسرائيليين في مكافحة حزب العمال الكردستاني وخاصة عملياته في المدن .
4- تقدم إسرائيل إلى تركيا خبراتها في مجال الصناعة العسكرية والتكنولوجية الإلكترونية المتطورة لتحديث الطائرات التركية المقاتلة .
أما اتفاق التجارة الحرة بين الجانبين فينص على البنود التالية :
1 ـ إزالة الحواجز الجمركية بين الجانبين .
2 ـ أن يصل حجم التبادل التجاري بين الجانبــين إلى مليـــاري دولار خلال العام 2000.
3- تمنح إسرائيل تركيا جزءاً من حصتها في أسواق الولايات المتحدة في مجال صناعة النسيج وهي نسبة 35 % بعد أن تعمد الشركات الإسرائيلية إلى تصنيع الأنسجة في تركيا من أجل تصديرها إلى الولايات المتحدة الأميركية .
نستطيع تصديق هذا الثوب الفضفاض الإسلامي ـ من بوابة فلسطين ـ فقط عندما يقف رجب طيب أردوغان ويعلن إلغاء كافّة الاتفاقات العسكرية والاستراتيجيّة بين إسرائيل وتركيا، ولأن السياسة مصالح تتعهّر فيها المصالح وتتجلّى بوجوه مختلفة، والشعوب العربية محبطة سيستطيع أياً كان أن يضحك على عقولها ويستغل مشاعرها بدغدغة أوتار الضعف فيها..
العالم الأوروبي مصدوم نعم ، لأن أوروبيّين كثر على متن سفن "أسطول الحريّة" التي تعرّضت لهجوم إسرائيلي إرهابي ، والدول الأوروبيّة تحترم مواطنيها وتدافع عن دمائهم ، وللمغشوشين بالمشهد الغاضب "انفجار واحد" في أي دولة أوروبيّة كافٍ لنقل الغضب من مكان إلى مكان آخر !!
وحتى لا يغشّ الإعلام العربي نفسه وجمهوره ويتفاعل مع أمواج الغضب التركي، فبحسب إحصاء العام 2008 يبلغ تعداد السكان في تركيا 72 مليون نسمة ، بالأمس تظاهر منهم 300 شخص فقط احتجاجاً على المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل، وحملوا الأعلام وربطوا الكوفية الفلسطينية حول رؤوسهم أمام القنصلية الإسرائيلية في اسطنبول، وهتفوا على الطريق العربيّة زمن أمواج القوميّة المتكسرة اليوم:"تسقط الصهيونية والامبريالية الإسرائيلية" .