التصادم بين إسرائيل "النووية" وتركيا "الأطلسية" يضع الغرب في حيرة حقيقية
شرق المتوسط: المرحلة الثانية من صدام الحضارات
لئن فجّرت هجمات 11 أيلول المرحلة الأولى من "صدام الحضارات"، فإنّ الهجوم الإسرائيليّ على "أسطول الحريّة" إشعارٌ بتدشين المرحلة الثانية، وهي مرحلة قد تكون أكثر تعرّضاً لقيم التنوير والحداثة من سابقتها، وأكثر إنغماساً في الرجعية على الصعيد العالميّ.
ما تغامر به مجموعة "القراصنة" التي تحكم الدولة الصهيونيّة اليوم يتعدّى دائرة التعبير التقليديّ عن الإستكبار والصلف، أو دائرة التوجيه التقليديّ للرسائل الدمويّة. صحيح أنّه، في المباشر، توجّه إسرائيل إنذاراً دمويّاً إستباقياً إلى تركيا كي تلتزم "الحياد" عشية أحداث عاصفة قد تشهدها المنطقة، وربّما كانت إسرائيل تحاول، بوسائل أخرى، أن تحيّد إيران نفسه عن هذه الأحداث، إلا أنّ السمة العامّة للإستراتيجية الإسرائيلية هو العمل على "التحييد العسكريّ" للدول الأساسية في المنطقة عن الحركات الراديكالية المواجهة الإسرائيل من جهة، والعمل في الوقت نفسه، على توسيع الطابع الحضاريّ الدينيّ للصراع.
منذ تأسيسها، عملت الدولة الصهيونيّة على حصر نطاق المواجهة قدر الإمكان. أرادتها مع العرب دون سائر المسلمين، بل كانت تركيا الكمالية وإيران البهلويّة حليفتيها الموضوعيّتين في هذا الصراع في مرحلة الحروب النظامية العربية – الإسرائيلية. وأرادت إسرائيل للمواجهة أن تكون مع عرب الطوق دون سائر العرب، ليس فقط على أساس مبدأ "فرّق تسدّ"، بل أيضاً على أساس الإعتقاد بسهولة "التطبيع" مع البلدان العربية البعيدة عن الطوق. بل أن إسرائيل كانت تعمل على حصر المواجهة مع الفلسطينيين وحدهم إن كان ذلك ممكناً، وقد تنافس اليسار واليمين فيها، مطوّلاً، لتقديم الخطط التي تؤسّس لذلك، كمقّدمة للحسم النهائيّ للصراع. كان أساس الإستراتيجية الصهيونيّة يقول أنّ المواجهة إن حُصِرَت بالفلسطينيين وحدهم تصير بحكم المنتهية. كان التطبيق العمليّ الأوّل لذلك هو العمل على إخراج أكبر دولة عربيّة، مصر، من المواجهة، وإقفال جبهات الطوق.
لكنّ ما حدث في العقود الثلاثة الماضية أظهر عقم هذه الإستراتيجية. فايران انتقلت من موقع "التقاطع الموضوعيّ" مع إسرائيل في أيّام الشاه، إلى موقع "العداء الوجوديّ المطلق" للدولة الصهيونية، وإلى إحياء مشروع تدمير الدولة الصهيونية، ولو على صعيد الأيديولوجيا والدعاية. وتركيا انتقلت من مرحلة "التعاون العسكريّ الكثيف" مع الدولة الصهيونية إلى المشهد الحاليّ، الذي يشي بإنبعاث "الجامعة العثمانية" في مواجهة إسرائيل.
في الماضي، كان ثلاثي تركيا إيران أثيوبيا يشكّل شبكة ضمان إقليميّة لإسرائيل، مثلما كان دور اسرائيل في الحرب الباردة يشكّل مدخلاً حيويّاً لتطوير أشكال الدعم الأميركي والغربيّ للدولة الصهيونية. تبدّلت خارطة التوازنات بشكل دراماتيكي اليوم.
فإذا كانت إسرائيل قد نجحت إلى أبعد حد في تسكين كافة جبهات الصراع العربيّ معها، سواء الجبهات النظاميّة التي أقفلت رسمياً أو عملياً في السبعينات أو الجبهات المقاوماتية التي علّقت بعد حرب تمّوز 2006 وحرب غزّة نهاية العام 2008، وإذا كانت القضية الفلسطينية في وضع لا يحسد عليه بسبب إنفصال قطاع غزّة عن القطاع، بسبب التباعد الموضوعي الحاصل بين فلسطينيي الشتات وفلسطينيي الأرض المحتلة في مرحلة "ما بعد عرفات"، فإنّ إسرائيل تجد نفسها أكثر فأكثر في مشكلة لا تقل وجوديّة مع دولتين تريدان أن تنتزعا الصدارة الإقليميّة، واحدة براديكاليتها، والثانية بإعتدالها: إيران، وتركيا.
في ظلّ وضع كهذا، فإن تغيراً بنيوياً يحصل أمام أعيننا في الإستراتيجية الصهيونية، وتحديداً من خلال تصاعد الخلاف الإسرائيلي التركي وصولاً إلى عملية القرصنة الدموية في عرض البحر. فبعد أن كانت اسرائيل تعمل على الحؤول دون توسع الصراع في العالم العربيّ، ودون انتقاله إلى العالم الإسلاميّ، صارت هذه الدولة، تدرك أن مصلحتها الوجودية الفعلية في هذه المرحلة تكمن في الدفع قدماً بهذا الصراع ليكون صراعاً حضارياً دينياً يهودياً إسلامياً شاملاً، بين كل اليهود وكل المسلمين على امتداد العالم، وبالشكل الذي يدفع المجتمع الإسرائيليّ كما اليهود عبر العالم إلى أقصى إندماج بين ما هو دينيّ يهوديّ وبين ما هو قوميّ يهوديّ، في مقابل الدفع بأشكال مختلفة من الراديكاليات في طول وعرض العالم الإسلاميّ.
وفي هكذا تصوّر أنّ العالم الغربيّ، المسيحي الذي يداري مسيحيّته بشكل أو بآخر – في حين تشهر الحضارات الأخرى واجهاتها الدينية أكثر من أي وقت، سيكون في ورطة حقيقيّة. فإمّا أن تنحاز جماهير هذا العالم الغربي إلى "اللاسامية اللاصهيونية الجديدة" أو إلى "رهاب المسلمين الإسلاموفوبيا"، أو أن يكون في الغرب ما يكفي من قوّة لإعادة فرض منطق الإمبراطوريّة الغربيّة العالميّة القادر على التحكّم بمختبر توليد الراديكاليات في منطقة الشرق الأوسط.
حتى الساعة، الغرب يتعاطى بردّات فعل أولية، يداري بها حيرته الحقيقية: فاسرائيل "النووية" تسخر من المنظومة القانونية والقيمية للحداثة الغربية، وتركيا "الأطلسية" هي دار خلافة، ودار إحياء عثماني، قبل أن تكون دار إنتساب في الإتحاد الأوروبيّ. الحالة الأولى تولّد موقفاً معادياً لليهود. الحالة الثانية تعطي المجال للإسلاموفوبيا.