الكيانات التي تقوم على المجازر، لا يمكن لها ان تعيش الاّ على المجازر، واسرائيل هي المثل الساطع في العالم كله، على نشوء مثل هذه الكيانات، وهي اشبه بمصّاصي الدماء الذين يخلدون بالدماء ويموتون من دونها، والمجازر التي ارتكبتها اسرائيل منذ ان زرعتها الدول الاوروبية والولايات المتحدة الاميركية في العام 1948، دمّلا خبيثاً في جسم العالم العربي، لا تعدّ ولا تحصى، وهي طالت بالاضافة الى الشعب الفلسطيني، شعوب مصر وسوريا والاردن ولبنان، حتى ان اجرامها وصل الى العراق وتونس ودول اخرى، وتوّجته بالامس بسفك دماء تركية، كانت لفترة قصيرة تعتبرها دماء صديقة وحليفة، وهذا يثبت بعد انكشاف تجسسها على الولايات المتحدة، حاميتها وحليفتها الابدية، وبعد تزوير جوازات سفر اوروبية لدول صديقة وحليفة بالنسبة اليها، ان مصّاصي الدماء لا يتورّعون حتى عن مصّ دماء بعضهم بعضاً اذا لم يجدوا من يمصّون دمه.
هذه هي اسرائيل، دولة اجرام وقتل وتعدّ، بقفّازات ديموقراطية كاذبة، وشعارات سلام تخفي وراءها تصميما على القتل والتوسّع، وهذه الدولة التي كانت تقدّم ذاتها الى العالم منذ نشوئها، بأنها محاطة بجيران اعداء يريدون رميها في البحر، ولا ترغب سوى باعتراف العرب بها على قاعدة قرارات التقسيم، انقلبت بعدما تسلّحت حتى الاسنان، الى وحش لا يرضى بفريسة واحدة، بل تريد ابتلاع فلسطين كاملة، واجزاء واسعة من سوريا ولبنان ومصر والاردن تحقيقاً لحلم قيام اسرائيل الكبرى، وعندما مدّ العرب ايديهم للسلام وقبلوا بها جارة في منطقتهم، كشفوا القناع المزيّف عن وجوههم، ورذلوا كَرَم العرب الذين كانوا منذ اقدم العصور وما زالوا، يفتحون قلوبهم ودولهم لمئات الالوف من اليهود، لانهم منذ البدء فرّقوا بين اليهود وبين الحركة الصهيونية التي هي في حقيقتها شقيقة التنظيمات الاصولية التكفيرية ولا تختلف عنها في الجوهر والممارسة.
* * * * *
المسيحيون في لبنان والعالم العربي والعالم الاسلامي القريب هم الضحية الاولى لقيام الكيان الاسرائيلي، لانهم وقعوا بين ناري العدوانية التكفيرية، والعدوانية الصهيونية، وتم قتلهم وتهجيرهم وتدمير منازلهم من الطرفين على السواء، واذا كان بالامكان فهم سبب العداء الصهيوني التاريخي للمسيحيين، انما عداء المسلمين التكفيريين لا يعدو كونه عداء غرائزياً جاهلياً لا يستند الى شرع او منطق، وهو يطال المسلمين الحقيقيين مثلهم مثل غيرهم من الطوائف الاخرى.
المؤسف ان في لبنان اليوم، فريقاً سياسياً يتشابه في خطابه واسلوب تعاطيه مع الاخرين، بذات طريقة الصهاينة والتكفيريين، وهذا الفريق مبرمج لكي يتحوّل الى فريق شتّام او دموي وفق «الدوزاج» الذي يناسب محرّكه.
وهذا الفريق موجود على الساحة اللبنانية منذ حوالى عشرين سنة، ومهمته واضحة ودوره معروف، والشخصيات التي تناولها ويتناولها بالسوء عديدة ومختلفة في التوجهات السياسية، واذا اردنا ان نحصرها في فترة العشرين سنة الماضية وحسب، فان البطريرك الماروني نصرالله صفير، والعماد ميشال عون، والدكتور سمير جعجع، والشهيد رفيق الحريري، والنائب وليد جنبلاط، ورئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة، ورئيس الحكومة الحالي سعد الحريري، ورئيس الجمهورية السابق امين الجميل، وحتى رئيس الجمهورية الحالي العماد ميشال سليمان، كانوا اهدافاً اساسية في مجموعة الاهداف الموضوعة لجوقة الشتم والاتهام هذه، فأحياناً يكون هؤلاء شرفاء «واوادم» ووطنيين بقرار يصدر عن المبرمج، فهات عندها معلقات المدح والتقريظ والتفخيم والدعم، ولكنهم سرعان ما يتحوّلون الى خونة وعملاء وفاسدين ومتآمرين وحلفاء لاميركا واسرائيل، اذا كان لهؤلاء القادة موقف مغاير او مختلف، او حتى لو كان متمايزاً في الشكل عن موقف المخرج القابض على مفاتيح هذه الجوقة.
هذه الجوقة راضية اليوم على النائبين ميشال عون ووليد جنبلاط، بعدما قالت فيهما اكثر مما قاله مالك في الخمر، وهي – اي الجوقة – تنتظر الرئيس ميشال سليمان ورئيس الحكومة سعد الحريري على الكوع، لتصبّ عليهما تصريحات الوعظ والتنبيه والارشاد لما يجب ان يكون عليه موقفهما لينالا البركة والرضى، ويرفع عنهما سيف النقمة، مع علم الجوقة ومن هو وراءها ان سليمان والحريري ليسا من طينة من «تصكّ ركبتاه» امام التهويل والابتزاز، حيال هذا الواقع لا يبقى في الميدان سوى البطريرك صفير والدكتور سمير جعجع ورئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة المستهدفين في الدرجة الاولى من هذه الجوقة، بحيث اذا تمكنوا من اسكات الثلاثة، يصبح سهلاً اسكات الرئيس امين الجميل، وعندها تعيش جبهة المعارضة «الوطنية بثبات ونبات» وتصبح الطريق سالكة وآمنة لتحرير فلسطين من صهاينة الخارج، بعدما اسكتوا او تخلصوا من «صهاينة الداخل».
على ما يبدو، فان لبنان يسير باتجاه تحديد الاحجام السياسية وتحجيمها، على ما كان يحصل في الاعوام العشرين الماضية، او ان هذه امنية تجمّع 8 آذار، الذي لا يستطيع ان يحتمل تكاثر محازبي القوات اللبنانية في البيئة المسيحية على حساب حلفائهم المسيحيين، وما الهجمة الواسعة اعلامياً وسياسياً على الدكتور جعجع في هذه الايام سوى البداية لهجوم عام، اغلب الظن انه لن يكتب له النجاح.
القيادي الفلسطيني المرحوم ابو اياد قال مرة ان طريق فلسطين تمرّ في جونية، وشعار البعض في لبنان اليوم : طريق فلسطين تمرّ بمعراب.