من يدفع الثمن ؟ ثمن ماذا؟ قد يكون السؤال بحجم القضية، نعم قد ندفع ثمن الأنتماء الى الدولة سجنا وقتلا وتشريدا هذا واقع حالنا من العام 1958. نحن من يدفع الدم والعرق لتبقى لنا دولة لأننا نعتبرها هي ملاذ من لا ملاذ له. ولكن الشواهد تدحض وبصورة جازمة اعتقادنا هذا، فهذه الدولة يوم يقوم قائمها تبحث عن اول ضحية لتثبت حسن نوايها تجاه طاعنيها فتعمل ابعادا واستفرادا وتشريدا عن كل مرافقها في هذا الذي نذر نفسه لها والشواهد على ما اقول تشهد.
– في العام 1958 وفي اعقاب الثورة الناصرية السورية المسلحة وفي ايام وصاية عبد الحميد غالب السفير المصري وعبد الحميد السراج المندوب السامي السوري، ماذا كان نصيب من دافع عنها ووقف بجانب الشرعية وبجانب الرئيس كميل شمعون؟ يا صديقي كان نصيبهم الأقصاء وألأبعاد عن كل مناصبها ومراكزها ووسموا بالعمالة والأمبريالة حتى اليوم وصمة تلاحقهم، منهم من حزم حقائبه وهاجر ومنهم شد حزامه واندحر الى امكنة ليست بأمكنته.
– في مطلع العام 1962 يوم محاولة القومين السوريين الأنقلابية تصدى لهم ودفع الدماء وتقبل المهانة لكي تحفظ الدولة؟ ماذا كان مصيره اقصاء وابعاد وسجن وختم جديد اسمه الأمبريالية والعمالة؟
– في العام 1969 يوم اطلت البندقية الفلسطينة لتجعل من الدولة اللبنانية دولة فلسطينية وسلاح المقاومة فوق كل اعتبار من وقف لرد الأعتبار للدولة وصم بالعمالة لأسرائيل واقصي عن مراكز الدولة السياسية والعسكرية؟
– في العام 1973 يوم حاول البعض الأنتقاص من هيبة الجيش والدولة لم يكن مصيره بأحسن من مصير من سبقه والتهمة جاهزة عميل صهيوني حتى وقعت الواقعة في العام 1975 وتناتشوا الدولة وشرذموا المؤساسات وانتهكوا ما لا ينتهك. من وقف معها امسى العدو اللدود لنصف الوطن والعميل العميل لأسرائيل، وبدل من احتضان هذا الموبؤ صار يطعن من ألأمام ومن الخلف وكل من حاول اسقاط الدولة يتربع سعيدا في كل مراكزها السياسية والعسكرية والأمنية والديبلوماسية.
– في العام 1976 يوم اعلن احمد الخطيب جيشه العربي وقتل وذبح وخطف المئات من العسكرين، وانا واحد منهم ونكل وشرد رفاق السلاح، ها هم عساكره ضباطا وقيادات في الجيش وغير الجيش يتربعون سعداء بأسم الوطن بعدما طعنوه الف طعنة وطعنة. ماذا كان نصيبنا التهجير والأقصاء والظلامة في كل جنبات المؤسسة العسكرية وغيرها والدفع الى الأستقالة كل هذا بأسم الوطن والمواطنية.
لن اسرد كل الوقائع التاريخية قد تأخذ اكثر من مجلد عن وقائع وحوادث حدثت وتحدث كل يوم بكل من وقف وساند قيام الدولة الى العام 1990 يوم وقفت "القوات اللبنانية" الى جانب الشرعية، ماذا نالت ولم تكن تطلب اكثر من بطاقة مواطنية ودولة حاضنة عادلة، يوم سلمت سلاحها وحلت اجهزتها وسلمت الدولة مقدراتها ماذا كانت النتيجة، سجن قائدها واحتلال مراكزها واقصاء كل من وقف مع الدولة السجن والتهجير والأستغناء عن كل من وقف معها في كل مرافق الدولة. وأن ما نشهده اليوم هو اشبه ما يكون لا بل صورة طبق الأصل عن الأمس، اقول للجميع لا تعقدوا الأمال على قيام الدولة لأن اول من سيدفع ثمن هذا القيام هو نحن خصوصا المسيحيين، والشواهد كثيرة.
انها دولة الصفع لكل من يساند قيامها من المسيحيين والمسيحيين فقط. الكل يساوم ويقايض على ظهر المسيحيين. نعم هذا هو واقع الحال وحقيقته، والحقيقة احيانا جارحة ومرة وقاسية، ولكن يجب ان تقال. واقول وكلي ثقة لو كانت القضية في لبنان في هذه الفترة بالذات بين مسيحي ومسلم لحلت بألف صورة وصورة لتجمهر كل العرب في ناح ونحن في ناح اخر. لو لم تكن مذهبية بأمتياز لحلت، ولولا استشهاد الرئيس الحريري وتحوّل قسم من المسلمين الى شعار لبنان فوق كل اعتبار. لحلت القضية على حسابنا ولو كان سلاح "حزب الله" في يد المسيحيين لحلت القضية على حسابهم كما العام 1990 وجيء بألف اتفاق طائف جديد. ولكن هذه المرة على حساب البقية الباقية في هذا الوطن من المسيحين والتي ربما تتحضر الى المغادرة الى الف ارض وارض، وربما تستعد لحرب الف عام وعام ليبق هذا الوطن السيد الحر المستقل.