سوريا تشعر بأنها باتت أحسن حالاً في لبنان:
حكومة تحكمها أقلية وأمن يحكمه سلاح "حزب الله"!
يقول حلفاء سوريا في لبنان ان النظام فيها استطاع العودة سياسياً اليه وإن ببطء بعد خروجه منه عسكرياً، وهو يحاول ابدال الوصاية المباشرة عليه بوصاية غير مباشرة. وهذه المحاولة بدأت عندما راهنت سوريا على ان قوى 8 آذار والمتحالفين معها سوف تفوز في انتخابات 2009 بأكثرية المقاعد النيابية، فيكون لها الحكم ومن خلاله تعود وصايتها غير المباشرة على لبنان، لكن الفوز كان لقوى 14 آذار والمتحالفين معها، عندها لجأت سوريا الى سياسة تعطيل حكم هذه الأكثرية باشتراط تشكيل حكومة "وحدة وطنية" تجمع وزراء يمثلون الأكثرية والأقلية، مع القبول بأن يكون رئيس الأكثرية النائب سعد الحريري رئيساً لها اعتقاداً منها ان مثل هذه الحكومة تكون لحكومة من الأقلية المسيَّرة وتحول دون اتخاذ قرارات مهمة وبت المواضيع الاساسية إذا لم تكن موافقة عليها وتحظى بقبول سوري، وهو ما حصل حتى الآن مع حكومة "الوحدة الوطنية"، فلا مشروع الموازنة مر بسهولة بل بعد مخاض عسير، ولا التعيينات الادارية والديبلوماسية والأمنية والعسكرية، يتم التوصل الى اتفاق في شأنها لتصدر كاملة لتحريك عجلة المؤسسات والادارات العامة بل بالتقسيط، ولا الانتخابات التي تهم الناس تحققت حتى الآن لأن التجاذب السياسي داخل الحكومة وخارجها يعطل إقرار كل انجاز مهم مثل توفير الطاقة الكهربائية.
ولم تكتف سوريا بشل دور الأكثرية النيابية والأكثرية الوزارية من خلال أقلية تمسك بها في لبنان، بل واصلت سعيها لتحويل هذه الأكثرية أقلية فيكون لها الحكم بعدما نجحت في سحب النائب وليد جنبلاط ومَن معه من قوى 14 آذار تمهيداً لفصله عن الأكثرية بصورة رسمية، وهي تجد الآن نفسها بأنها قطعت أكثر من نصف الطريق الى تحقيق عودتها سياسياً الى لبنان، واقامة نصف وصاية غير مباشرة عليه تمهيداً لإقامة وصاية كاملة، وباتت مرتاحة الى وضعها الشعبي في لبنان بحيث تعتبر ان نصف اللبنانيين تقريباً باتوا في خطها السياسي أو غير معادين له وذلك بوقوف أكثرية شيعية ساحقة معها وأكثرية درزية ساحقة ايضاً، ونصف عدد المسيحيين في مقابل نصف آخر لا صوت فيه عالياً سوى صوت "القوات اللبنانية" ويجري العمل على خفضه اذا تعذر اسكاته. أما الأكثرية السنية فبات بعضها متريثا ومترقبا أو صامتا بعد زيارات الرئيس الحريري الى دمشق في محاولة لاعادة العلاقات بين البلدين الى طبيعتها ودفن الاحقاد والخصومات التي كانت قائمة. وتعمل سوريا ايضاً على خفض صوت وسائل الاعلام المناهضة لسياستها خصوصاً تلك التي تخص الرئيس الحريري.
وإذا كان هذا هو المشهد السياسي كما ينظر اليه حلفاء سوريا في لبنان، بحيث انه إذا استمر فإنه يسير نحو الأفضل، حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة عام 2013، فتأتي نتائجها عندئذ لمصلحة الخط السوري ويكون الحكم اذذاك لهذا الخط ويصبح لبنان محكوماً من سوريا وان بصورة غير مباشرة عبر فوز حلفائها فيه.
وفي مقابل هذا المشهد السياسي، يبرز المشهد الأمني هو الأهم مع استمرار وجود سلاح "حزب الله"، علما ان هذا الوجود لا خلاف عليه إذا كانت وجهته اسرائيل وضد كل من يعتدي على لبنان ومن أجل تحرير ما تبقى من الاراضي اللبنانية، إنما الخلاف هو على دخول هذا السلاح في المعادلة السياسية اللبنانية بحيث يرجح كفة على كفة ويخل بالتوازن الداخلي الدقيق، وانه لولا احداث 7 أيار لما كان خلاف على هذا السلاح ولا خوف منه ولا تخويف به.
وهذا ما جعل النائب السابق الدكتور مصطفى علوش يقول في حديث له "ان استمرار بقاء سلاح "حزب الله" خارج اطار الشرعية وخارج اطار سلطة الدولة اللبنانية، هدفه استراتيجي للسيطرة على البلد وتحقيق الهدف الاقليمي الذي هو ما يتوخاه الحزب"، وما جعله يقول ايضاً: "ان مؤتمر الحوار الوطني تختلف النظرة اليه، فكل طرف ينظر اليه بطريقة تختلف عن نظرة الآخر، فـ"حزب الله" مثلاً، يعتبر ان هذا الحوار هو وسيلة لاستمرار المراوحة واستمرار القديم على قدمه، اي استمرار سلاح الحزب خارج الشرعية وخارج اطار سلطة الدولة اللبنانية لتحقيق اهدافه الاقليمية والمحلية، وسواه ينظر الى الحوار بأنه وسيلة لمعالجة مشكلة استمرار بقائه، لأن استمراره في وضعه الحالي يخل بالتوازن الداخلي لمصلحة قوى 8 آذار والمتحالفين معه ولمصلحة سوريا التي يهمها قبل اي شيء آخر المحافظة على هذا السلاح ليس لتحقيق اهداف خارجية بقدر تحقيقه اهدافا داخلية. فهي ما دامت على تحالف مع ايران فانها تستطيع تحقيق ما تريد في لبنان اولا وفي فلسطين واسرائيل ودول المنطقة ثانياً. لذلك كانت الحملة قاسية على الرئيس ميشال سليمان عندما لم يقف مع الطرف المناصر للمقاومة في هيئة الحوار الوطني، مع انه كرئيس حَكَم، ورئيس توافقي لا يستطيع ان يقف مع طرف ضد آخر عندما يكون ثمة خلاف بينهما حول اي موضوع، ولا بد عندئذ من العمل على تحقيق التوافق خصوصاً في المواضيع المهمة. أوَلم يدعِ الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الى ترك الملفات الشائكة جانباً والاهتمام بما يهم الناس؟".
الى ذلك يمكن القول ان سوريا تشعر حالياً بالارتياح وبأنها في حالة حسنة في لبنان وفي المنطقة بعد خروجها من العزلة والانفتاح عليها، وما زيارات الرئيس ميشال سليمان والرئيس سعد الحريري ووزراء لبنانيين اليها سوى لتأكيد طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة، وهو ما يفقد خصومها في لبنان ورقة التجييش ضدها كما كان الوضع قبل هذه الزيارات.
وسوريا مرتاحة الى الوضع في لبنان وتحاول ان تكون مرتاحة اكثر بمحاولة خفض اصوات سياسيين لا تزال ترتفع ضدها واصوات بعض وسائل الاعلام، وهي تكتفي في الوقت الحاضر بوجود حكومة تسمى "وحدة وطنية" لا تستطيع اتخاذ اي قرار بدون موافقة الاقلية الموالية لها، وان الامن يبقى غير مستقر في لبنان بدون ارادة "حزب الله"، وهو الوضع الذي كان سائداً تقريبا زمن الوصاية السورية المباشرة، حيث كان الأمن مرتبطا بارادة القوات السورية عندما كانت في لبنان، والقرارات السياسية تتخذها حكومة يتم تأليفها بالتوافق والاتفاق مع سوريا، وما استمرار الوضع الراهن في لبنان اي حكومة "وحدة وطنية" وبقاء سلاح "حزب الله" سوى استمرار لما يشبه تلك الوصاية.