إلى أي مدى كانت أحداث الأيام القليلة الماضية "بريئة" بحجبها الضوء عن "عقيدة باراك أوباما النووية" التي أعلنها وتولى شرحها وزيرا الدفاع والخارجية الأميركيان، الأيام القليلة المقبلة كفيلة بإزاحة الغبار التركي الكثيف الذي حجب الرؤية في العالم العربي فقط لا غير.. سيهدأ هذا الضجيج قليلاً، وستتيح مرحلة الهدوء توضيح ضبابية الرؤية الأميركية، التي ألقت بموقف مرتبك ومتحفظ إزاء القتل الإسرائيلي، فيما تبدو رؤيتها جلية كأنها تنظر بعيني صقر إلى الواقع الإيراني النووي الذي يسابق الزمن…
وقد يكون من المفيد أن نتساءل ما إذا كان للهجوم الاسرائيلي على أسطول الحرية وذيول المجزرة الإسرائيلية على متنه علاقة باتفاق توقيع تبادل اليورانيوم الذي فشلت تركيا ومعها البرازيل بإقناع العالم بجديته وجدية إيران وصدق ادعائها سلمية مشروعها النووي؟! أليس في هذا التقارب الزمني ما بين توقيع الاتفاق في طهران والرد الإسرائيلي العنيف رسالة دموية وشديدة اللهجة إلى تركيا، التي لا تملك إلاّ أن تواجهها بلهجة ديبلوماسية حادة ومرتفعة النبرة حتى لا تنكسر هيبتها الإقليمية في المنطقة؟!
أليس غريباً أن ينفجر كل هذا الضجيج طامساً ما أعلنه الرئيس الأميركي باراك أوباما تحت عنوان: "الإستراتيجية النووية الأميركية الجديدة"، والتهديدات غير المباشرة التي وجّهها أوباما في مقابلة أجرتها معه مجلة "نيويورك تايمز" وقد هدّد فيها إيران وكوريا الشمالية بهجوم نووي بقوله: "لدينا نية في طمأنة الآخرين ـ ولا نعرف مَن هم الآخرون الذين قصدهم أوباما – بأننا قادرون على التحرك من دون اللجوء للسلاح النووي، وقدرة الأسلحة التقليدية للردع مؤثرة، باستثناء بعض الأوضاع المعقدة كثيراً"، معلناً "أن إيران وكوريا الشمالية لن تدخلا في إطار الإستراتيجية الجديدة"..
وبالأمس وضع وزير الخارجية الإيراني العالم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما القبول بالاتفاق الذي وقعته إيران مع تركيا والبرازيل، وإما المواجهة، ومن دون أن يحدد نوع المواجهة… وتزامن رد الخارجية الإيرانية من بلجيكا، مع المعلومات التي كشفتها صحيفة "التايمز" البريطانية بنشرها ما قالت أنه آخر تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأنه أشار – بحسب الصحيفة – إلى نشاط طهران الحثيث لتخصيب اليورانيوم بحيث باتت تمتلك الآن ما يكفي من مخزون من اليورانيوم لصنع قنبلتين نوويتين"!!
والسؤال الملح الذي يستوقف أي قارئ ذي عقل: هل تنتحر إيران من أجل قنبلتين نوويتين، أو قنبلة واحدة فقط لا غير في حال كانت حسابات صحيفة التايمز دقيقة وحقيقية في حال "جرت عملية التبادل بنجاح فسيتم مقايضة 1200 كيلوغرام فقط من اليورانيوم بالوقود النووي مع احتفاظ إيران بكمية من اليورانيوم كافية لصنع قنبلة نووية لو تم تخصيبها إلى درجة أعلى"، وإذا كانت إيران تعتبر أي هجوم عليها سيؤدي إلى قيامها بتدمير إسرائيل، مع التهديد الأميركي باستخدام السلاح النووي ضد كوريا الشمالية وإيران، ألن يكون التدمير متبادلاً، ألن يكون ثمنه أعلى وأغلى بكثير لإيران؟!
أليس الشرح الذي قدّمه وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس أمام البنتاغون الأميركي والذي تحدث فيه عن العقيدة النووية الجديدة لأوباما وميثاق "إعادة النظر في الحال النووية (NPR) عندما قال بصراحة: "إن أميركا ستستخدم كل الخيارات في التعاطي مع إيران"!! وما دور الغبار التركي الكثيف في حجب هذا المشهد الأميركي الجديد، والسؤال الأكثر إلحاحاً هو عن لبنان وعنا نحن الناس: "ما هو مصير لبنان في حال دخول حزب الله على خط الصراع النووي الأميركي – الإيراني"، خصوصاً أن حزب الله نقل صراعه في وثيقته السياسية الثانية إلى أولوية ما أسماه في الفصل الأول: الهيمنـة والاستنهـاض – أولاً: العالم والهيمنة الغربية والأميركية، وخلص في قراءته هذه إلى أن "لا مجال اليوم لقراءة أي صراع في أي منطقة من مناطق العالم إلاّ من منظار استراتيجي عالمي، فالخطر الأميركي ليس خطراً محلياً أو مختصاً بمنطقة دون أخرى، وبالتالي فإن جبهة المواجهة لهذا الخطر الأميركي يجب أن تكون عالمية أيضاً (…) لم يترك الإستكبار الأميركي لأمتنا وشعوبها من خيار إلاّ خيار المقاومة"…
يحتاج هذا السؤال إلى إجابة، لقد نقل حزب الله في وثيقته السياسية مواجهته الأولى إلى مواجهة مع "الاستكبار الأميركي"، وبالتأكيد لن نحصل على إجابة، فالدولة "غاشية" في "بازار النفاق"، أو يحضر لها "مغطس لهو" ستقع فيه للبحث عن 11 مليار دولار "بدّن يعرفوا وين راحوا" إلى أن تقع الحرب، وهذه المرة يبدو أن الشعب اللبناني سيكون "فدا إيران" و"حنروح كلنا دبلكة"!!