كتب عضو الأمانة العامة لقوى "14 آذار" نوفل ضو:
تشعبت، على مدى السنوات الثلاثين الماضية، وتشابكت الخلافات بين القوى السياسية والأحزاب المسيحية صاحبة الحضور الفاعل على الأرض في الشمال. وتخطت هذه الخلافات وسائل التنافس السياسي الديموقراطي، لتفرز – متأثرة بأجواء الحرب التي كانت قائمة – صراعا اتخذ في كثير من الأحيان طابعا صداميا ودمويا وثأريا، زاد من تعقيدات الواقع المسيحي، وتخطت آثاره السلبية العلاقة الشخصية بين الزعماء والقادة وكبار المسؤولين الحزبيين، لتتخذ شكل صراعات بين المحازبين والأنصار شكلت القرى والبلدات والمدن الشمالية ساحة له وأرضا خصبة لتفاعلاته المؤسفة.
أما على الصعيد الوطني، فساهم الصراع بأشكاله السياسية وغير السياسية في إضعاف الحضور المسيحي في لبنان بشكل عام، وشكل سببا مهما من الأسباب التي أدت الى تراجع الدور المسيحي الفاعل، والى المساهمة في غياب الشراكة المسيحية – الإسلامية الحقيقية على مستوى مؤسسات الدولة اللبنانية التشريعية والتنفيذية والإدارية والأمنية والعسكرية وغيرها، بشكل خاص.
العناوين السياسية للخلاف
أما في المضمون، فإن للخلاف جذورا يمكن إدراجها تحت عنوانين أساسيين:
• الأول: تناقض في الرؤى الوطنية والمشاريع السياسية بين أطراف الصراع حيال مفهوم السيادة الوطنية، وحرية قرار الدولة اللبنانية لا سيما في السياسة الخارجية، وطبيعة علاقاتها الإقليمية والدولية، خصوصا مع سوريا، وبالتالي موقع المسيحيين، من التحالفات والمحاور والصراعات المحيطة بلبنان.
• الثاني: تنافس بين الأحزاب والقوى السياسية الشمالية المحلية على استقطاب الرأي العام، واستمالة المسيحيين، لكسب تأييدهم لكل من المشروعين السياسيين المختلفين. وقد بدأ هذا التنافس يتخذ أشكالا حادة، في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي خصوصا بين حزب "الكتائب اللبنانية" برئاسة الشيخ بيار الجميل باعتباره حركة سياسية وحزبية شعبية تسعى في عملها وانتشارها الى تخطي الزعامات المحلية والمناطقية التقليدية من جهة، والرئيس الراحل سليمان فرنجيه وما يمثله من موقع سياسي وزعامة شمالية من جهة مقابلة.
تطور الخلاف ومراحله
لقد تشعب هذا التنافس، متأثرا بالتطور الطبيعي للحياة السياسية والحزبية في لبنان على مدى السنوات الخمس والثلاثين الماضية، ليأخذ طابع المواجهة المباشرة بين "القوات اللبنانية" كمؤسسة أطلقها الرئيس الراحل الشيخ بشير الجميل، (مع ما تخلل انطلاقتها من تداخل وتشابك بينها وبين حزب "الكتائب اللبنانية") من جهة، و"المردة" بقيادة النائب والوزير الراحل طوني فرنجيه من جهة مقابلة.
ولم يحل اتخاذ "القوات اللبنانية" شكلها التنظيمي الحالي كحزب سياسي، و"المردة" الشكل التنظيمي الحالي كتيار سياسي، دون انتقال الصراعات ب"الوراثة" الى الجيل الثالث في قيادة "المؤسستين" المتمثل بكل من النائب سليمان فرنجيه والدكتور سمير جعجع ومحازبيهما ومناصريهما على المستوى الشعبي. فبدل أن يشكل اتفاق الطائف الذي وضع حدا للحرب في لبنان، مفصلا أساسيا من مفاصل انتقال العلاقة بينهما من إطار الصراع الحاد على الأرض، الى أطر التنافس السياسي والديموقراطي من ضمن المؤسسات الحزبية والدستورية، جاءت الخلافات والتباينات والانقسامات التي تميزت بها المرحلة الممتدة بين 1990 و2005، لتوسع من الشرخ السياسي في شأن الخيارات الوطنية الكبرى، ولترسخ حالة الانقسام الشعبي حيالها.
وهكذا، لم يترافق سقوط خطوط التماس التي كانت قائمة بين المناطق الشمالية نفسها، وبين الشمال وجبل لبنان، منذ العام 1978، مع سقوط خطوط التماس النفسية والسياسية والحزبية بعد انفتاح المناطق اللبنانية على بعضها إثر التوصل الى اتفاق الطائف. وعوض أن تشكل عودة الحزبيين الشماليين (القوات اللبنانية وحزب الكتائب) – الذين هجروا قسرا من بلداتهم وقراهم عام 1978- الى منازلهم وبيوتهم وأملاكهم، عنصر توازن يعيد الى المجتمع السياسي الشمالي دورة حياته الطبيعية في حمى الدولة والقانون اللذين يضمنان حرية المعتقد وحق العمل السياسي للجميع على قدم المساواة، تلاحقت الحوادث الدموية على أرض الواقع، خصوصا في السنوات الخمس الماضية التي أعقبت "ثورة الأرز" على نحو يعكس عدم الأخذ في الاعتبار المتغيرات السياسية التي شهدها لبنان، والتي كان يفترض أن تجعل من المساواة في الحقوق السياسية القاعدة الأساسية التي تنظم العلاقة في ظل القانون بين المحازبين والمناصرين على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم.
موجبات المصالحة ومضمونها
وإزاء تكرار سقوط الضحايا على نحو هدد الاستقرار ويهدده، وينذر بتداعيات لا مصلحة للمسيحيين ولا للبنان فيها، تبرز الحاجة ملحة الى مصالحة تكرس حق الاختلاف السياسي، ويعترف بموجبها كل الفرقاء السياسيون والحزبيون، بالحقوق السياسية لبعضهم البعض، ويقرون بالقانون مرجعا وحيدا لحركتهم على الأرض، وينبذون أي شكل من أشكال الضغوط غير المشروعة على بعضهم البعض.
وعلى هذا الأساس، لا بد لأي مصالحة مسيحية – مسيحية في الشمال أن تقوم على الأسس الآتية:
• أولا: تأكيد الإلتزام بطي صفحة الحرب في لبنان بكل ويلاتها ومآسيها وتجاوزاتها وارتكاباتها وأخطائها وخطاياها، وبكل تعبيراتها ووسائلها وأدواتها، وبكل مظاهرها وذيولها ونتائجها، والتشديد على أن لا مناطق مقفلة على أي فرد أو جماعة، ولا حواجز نفسية أو مادية بين الناس في المدن والبلدات والقرى الشمالية خصوصا، واللبنانية عموما، ولا ممنوعات يفرضونها على بعضهم البعض، إلا تلك التي تنص عليها القوانين.
• ثانيا: اعتبار القيم المسيحية المرتكزة على التسامح، والمغفرة، والمحبة، والمصالحة مع الآخر والذات، سقفا للإداء السياسي، والإقرار بأن الإنسان الذي خلقه الله على صورته ومثاله، قيمة فكرية وثقافية بحد ذاته، يجب احترامها وتقديرها وحمايتها، وبأن التمايز والاختلاف، بين الناس والجماعات، هما صنيعة الله في خليقته مما يحتم على المسيحيين الملتزمين بمسيحيتهم رعاية هذين التمايز والاختلاف وحمايتهما، والتعاطي معهما على أنهما مصدر غنى، وحافز للاجتهاد، كل بحسب اقتناعاته، وقدراته، وامكاناته المشروعة، في مضاعفة "الوزنات" التي منحها الله للإنسان.
• ثالثا: اعتبار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي تبناه الدستور اللبناني، والذي يأخذه التشريع اللبناني مرتكزا أساسيا من مرتكزاته، لا سيما لناحية حرية القول والمعتقد والتعبير، وحرية الإقامة والتنقل، وحرية تأسيس الأحزاب والجمعيات، وغيرها من الحريات، من الثوابت التي يتعهد كل الفرقاء الموجودين على أرض الشمال باحترامها وباعتبارها مرجعية من المرجعيات التي تحكم العلاقة في ما بينهم.
• رابعا: تعهد المعنيين بترجمة هذه المبادىء، ولا سيما حزب القوات اللبنانية وتيار المرده في المواقف والتصريحات الصادرة عنهما، وفي التوجيهات الى محازبيهما وأنصارهما، من خلال تحريم استخدام السلاح تحت أي ظرف من الظروف، ونبذ لغة العنف الكلامي والتعبيري، والتخوين، والتحريض، والإهانات الشخصية والجماعية، والاتهامات التي تنال من الرموز والكرامات وتمس بالمعتقدات.
• خامسا: تأكيد المعنيين نهائية المصالحة في ما بينهم، وتعهدهم بنشر معانيها وترجماتها ورعايتها على المستويات الشعبية كافة، وتأكيدهم على أن الخلاف السياسي في شأن مقاربة المواضيع والملفات الخلافية السياسية المحلية أو المناطقية أو الوطنية لا يمكن أن يشكل، في أي حال من الأحوال، وتحت أي ظرف من الظروف، سببا للتخلي عما ورد أعلاه كليا أو جزئيا، أو للتملص من الالتزام بمضمونه، أو للتفلت من موجباته الأخلاقية والقانونية.
• سادسا: الأخذ في الاعتبار أن المرحلة التاريخية الدقيقة التي يجتازها مسيحيو لبنان خصوصا، ومسيحيو الشرق عموما، تفرض على القيادات المسيحية اللبنانية احترام التنوع الفكري، والتعددية الحزبية، في ما بين المسيحيين أنفسهم، كنموذج صالح للتطبيق في العلاقة مع الآخرين من الشركاء في لبنان والمنطقة، في ظل مرجعية الدولة دون غيرها، وتحت سقف النظام السياسي للجمهورية اللبنانية المعبر عنه في الدستور اللبناني، وتحت سقف القانون الواحد على الجميع، بعيدا عن كل نماذج الفرض، والقهر، والأمر الواقع.