لا أنتمي إلى "القوات اللبنانية"، وربما تشوب العلاقة بيننا برودة موسمية واضحة، ولم ينتسب إلى الحزب، لا جدّي ولا والدي من قبلي، ولن أفعل ذلك، لعدم اقتناعي بالانضمام الى اي حزب.
لكنّ الحملة التي تستهدف الدكتور سمير جعجع هذه الايام لا تبشّر بالخير، ولا تكشف، بل بالاحرى تكشف نيات مبيتة تستحضر بعض الاحداث متى وجدت ذلك ضرورة. والضرورة هذه موسمية لدى اهل السياسة، او هي نتيجة التحالفات الظرفية التي سادت لبنان في الاعوام الاخيرة، والتي كانت سرعة تبدّلها مفاجئة لجميع المراقبين في الخارج، اما في الداخل فلا مفاجآت اذ اعتاد اللبنانيون تقلبات الاحوال.
ما جرى في ضهر العين مستنكر ومؤسف وموجع لكل لبناني، بعد ذوي الضحيتين بالتأكيد، لكنه لا يستدعي تلك الحرب الشعواء التي شنها رئيس "تيار المردة" النائب سليمان فرنجيه والتي بدت جزءاً من حملة منسقة تنطلق ابواقها في كل المناطق.
قد يكون جعجع اخطأ في غير مكان، وفي غير زمن من ازمنة الحرب الطويلة، حرب الآخرين على ارضنا، كما يحلو لجدّي غسان ان يسمّيها دائما، لكنه في الحقيقة ليس الوحيد الذي ارتكب ما ارتكب، ولا اعلم اذا كان فعلاً مسؤولاً عن كل الارتكابات التي حصلت في حزبه، قبل ان يتسلم زمام قيادته.
والحقيقة الثانية ان جعجع هو الوحيد الذي حوكم وسُجن تحت الارض في وزارة الدفاع مدة 11 سنة، فيما كان شركاؤه في الحرب يتنعمون بخيرات سلطة ما بعد الطائف، من المجالس التي درّت ذهباً على رعاتها ومسؤوليها والمناصرين لهم، الى المساعدات الخارجية، وامتيازات السلطة بالطبع، تلك السلطة التي، بدعم سوري، استباحت كل المؤسسات والقوانين.
ليس مفيداً اعادة فتح ملفات الحرب، فمعظم الذين في السلطة اليوم ارتكبوا جرائم، وسجنوا حريات، وقبضوا على الناس، وذبحوا على الهوية، وصادروا العقارات والاملاك الخاصة، واقاموا الحواجز.
ثمة جرائم امام المجلس العدلي لم يشملها قانون العفو، فهل بالامكان تحريك ملفاتها ومحاسبة الجميع؟ هل ثمة ضرورة للسؤال عن حروب المخيمات، وحرب الجبل، والاشرفية، وزحلة، وتهجير المسيحيين في غير منطقة، والمسلمين في ضواحي بيروت الشرقية؟
ماذا عن جرائم قتل رينه معوض، وبشير ومايا الجميل، والشيخ صبحي الصالح، وطوني فرنجيه، وكمال جنبلاط، وناظم القادري؟ واللائحة تطول وصولاً الى جميع شهداء الاعوام الخمسة الاخيرة ومنهم والدي، وسمير قصير الشهيد الآخر لـ"النهار" الذي نحيي ذكرى استشهاده الخامسة بعد يومين؟
ان معارضة جعجع وقواته لمسيرة الانفتاح على سوريا، والذي يتحول احيانا تهافتاً وارتهاناً جديداً، لا تستدعي هذه الحملة من غير طرف وفي غير منطقة. فبعض المعارضة ضروري لفرملة التدحرج، ولتسليط الضوء على خطوات – ارتكابات تسيء مجدداً الى دولة القانون والمؤسسات.
من الافضل للجميع قفل ملف الحرب، والانطلاق من زمن الطائف الذي أرسى اتفاقاً بين اللبنانيين، والتطلع الى المستقبل.