هل تُصالح مجزرة "أسطول الحرية" الفلسطينيين وتوحّد موقف العرب ؟
قوى التطرّف تتغلب على قوى الاعتدال إذا لم يتحقق السلام
ماذا بعد المجزرة الاسرائيلية ضد اسطول الحرية؟ ماذا بعد بيان مجلس الامن وحلف شمال الاطلسي وبيانات الاستنكار والادانة من كل حدب وصوب؟ ماذا بعد قرارات وزراء الخارجية والعرب والجامعة العربية؟ ماذا بعد غضب تركيا والتظاهرات والخطب الرنانة وحرق الاعلام الاسرائيلية؟ ماذا بعد اطلاق من احتجزتهم اسرائيل وهم مدنيون متطوعون لأعمال انسانية، وقد اعتبر البعض اطلاقهم انتصارا على اسرائيل؟ ماذا بعد التحقيق في المجزرة وهل سيعاقب المسؤول عنها وكيف؟ ماذا عن الحصار المضروب على غزة، هل يرفع ام يستمر؟ واذا رفع هل يعد ذلك انتصارا وكفى الله المؤمنين شر القتال؟
يقول سفير سابق للبنان اذا كانت هذه المجزرة لا تصالح القيادات الفلسطينية على اختلاف اتجاهاتها، ولا توحد موقف العرب في مواجهة اسرائيل، ولا تجعل المجتمع الدولي يفرض قراره على الجميع تحقيقا لسلام شامل وعادل في المنطقة، فان اسرائيل سوف تزداد شراسة وعدوانية وانتهاكا لحقوق الانسان، وسوف تستمر في قضم المزيد من الاراضي التي تحتلها وترفض الانسحاب الكامل منها.
ان تمادي اسرائيل في التصدي لكل العرب وللمجتمع الدولي، لن توقفه بيانات الاستنكار والادانة ولا التظاهرات وحرق الاعلام الاسرائيلية ولا حتى سحب السفراء والعودة الى سياسة المقاطعة والحصار الاسرائيلي، انما توقفه قرارات ملزمة تصدر عن مجلس الامن او عن مؤتمر دولي او قرارات حازمة وحاسمة تتخذها الدول العربية والمتحالفون معها تدعو الى مواجهة اسرائيل بحرب نظامية وغير نظامية تفتح لها كل الجبهات العربية، او مواجهتها بخطة سلام تعطي لاسرائيل مهلة زمنية لاتخاذ موقف منها. وفي ضوء هذا الموقف يبنى على الشيء مقتضاه، لانه لم يعد في إمكان العرب ولا المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الاميركية العودة الى ما كان عليه الوضع قبل حصول مجزرة "اسطول الحرية" حتى وان وافقت اسرائيل على رفع الحصار عن غزة رغم خوفها من معاودة اطلاق الصواريخ على مستوطناتها فترد بغارات جوية تدمر ما لم يتم تدميره بعد ويبقى الانقسام الفلسطيني بين "فتح" و"حماس" ليصب في خدمة اسرائيل التي تدّعي عندئذ انها لا تجد شريكا تفاوضه من اجل السلام ومن اجل حل القضية الفلسطينية.
لذلك يرى السفير نفسه ان المجزرة التي حصلت ينبغي ان تكون فرصة لا يجوز تفويتها للبحث عن حل شامل لكل المشكلات التي حالت وتحول حتى الآن دون تحقيق السلام الشامل والعادل. والمطلوب عربيا توحيد الجهود والمساعي من اجل تحقيق مصالحة فلسطينية – فلسطينية وبلورة رؤية مشتركة للحل يبدأ بقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة تعيش بأمن وامان الى جانب الدولة العبرية. ومتى تحققت هذه المصالحة يصبح مطلوبا من الدول العربية والاقليمية ومن الدول المؤثرة وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية ممارسة ضغوط قوية على اسرائيل لكي تقبل بهذا الحل ولا تظل تمارس لعبة التسويف والمماطلة والمخادعة للابقاء على وقع الـ "ستاتيكو" المستفيدة منه. وعند التوصل الى اتفاق على قيام هذه الدولة يمكن عندئذ الانطلاق نحو الحل الشامل في المنطقة بالتوصل الى اتفاق على حل للمسارين السوري واللبناني بحيث ينتهي اذ ذاك الصراع المزمن مع ا سرائيل.
ويرى مرجع رسمي ان امام الولايات المتحدة الاميركية فرصة ينبغي الا تفوتها لتحقيق السلام الشامل في المنطقة بعدما باتت اسرائيل في وضع دولي صعب ومحاصرة بنقمة شعبية عارمة، في حاجة ماسة الى السلام، وكذلك العرب، لان ايا منهم ليس في وضع القادر على اشعال حرب قد لا تبقى محصورة ومحدودة بل قد تصبح شاملة لا بل حربا عالمية ثالثة لا احد يعرف نتائجها والى اين تقود شعوب العالم. فادارة الرئيس اوباما التي اعلنت مرارا رغبتها الشديدة في تحقيق السلام بدءا بحل الدولتين لم تثبت حتى الآن قدرتها على ذلك سواء لاعتبارات سياسية او انتخابية داخلية، فليس اذا سوى الافادة من الوضع المربك الذي تعيشه اسرائيل بعد هجومها على "اسطول الحرية" للعمل على اخراجها من هذا الوضع، وليس بالعودة الى ما كان عليه قبل هذا الهجوم.
ويضيف المرجع نفسه ان على الولايات المتحدة الاميركية ان تستخدم كل ما تملك من وسائل الضغط والتأثير على كل الاطراف لتحقيق السلام الشامل والعادل في المنطقة باعتباره الوسيلة الوحيدة التي تحمي الجميع وتحل المشكلات عند الجميع، ليس في المنطقة فحسب، بل خارجها ايضا، وتجعل قوى الاعتدال تتغلب على قوى التطرف، والانظمة الديموقراطية تحل محل الانظمة الشمولية، عسكرية كانت ام دينية ام حزبية، لان الاخفاق في تحقيق هذا السلام لن يهدد لبنان ودول المنطقة المعتدلة فحسب بل كل الدول الحرة والديموقراطية في العالم، ويجعل قوى التطرف والحركات الاصولية تطغى على قوى الاعتدال وعلى الانظمة المحافظة وتطيحها، فلا يبقى عندئذ لدول الغرب ولا سميا منها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي حتى موطئ قدم، وتتعرض مصالحها الحيوية فيها للخطر.
لذلك، فان للولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي مصلحة كبرى في السعي الجاد والدؤوب لتحقيق السلام الشامل والعادل في المنطقة كي تحمي مصالحها والانظمة المعتدلة فيها والا كان عدم تحقيقه سببا لاجتياح قوى التطرف والحركات الاصولية ليسى هذه الانظمة فحسب، بل المصالح الحيوية لكل دول العالم، وقد تقوم ثورات شعبية وفوضى تذهب بكثير من الدول نحو المجهول.
الواقع، ان المجزرة التي ارتكبتها اسرائيل بهجومها على متطوعين مدنيين لتأدية خدمات انسانية، هي فرصة ينبغي ان يفيد منها الجميع لتحقيق السلام، وان تكون هذه المجزرة كافية لتوحيد الصف الفلسطيني والعربي وجعل كل الدول المحبة للسلام تتكاتف في جهودها لتحقيق هذا السلام، والا فان المنطقة سوف تبقى معرضة لحروب صغيرة ولقلاقل قد تتحول حروبا كبيرة وقد تكون الغلبة فيها لقوى التطرف على قوى الاعتدال، والانظمة الشمولية على الانظمة الديموقراطية.